موقع البينات | شبكة البينات خطابات ومحاضرات وحوارات ومقابلات السيد / عبدالملك بدرالدين الحوثي ..خطابات المناسبات..دروس رمضان ومتفرقات الهجرة عاشوراء اليمن

كلمة السيد بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- 1435هـ

الإمام علي المقام السامي والدور الأبرز

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة207]

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا كفؤ له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وخاتم أنبيائه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين، ورضي الله عن صحبه المنتجبين.

أيها الإخوة الأعزاء؛؛؛

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وعظّم الله لنا ولكم الأجر؛؛؛

 من واقع أمتنا المليء بالمآسي، الغارق بالنكبات، نستذكر في هذه الليلة حدثاً جللاً مأساوياً، أصاب أمتنا في دينها، وأصابها في مبادئها، وقيمها، وأصابها في صمّام أمانها، وأصابها في مستقبلها، الحدث الذي يُعتبر فعلاً جالباً للشقاء على الأمة، بواسطة أشقى الأمة، الذي يمثّلُ رزيَّةً كبرى! امتدت مآسيها وآثارها السلبية في واقع الأمة عبر الأجيال: هي ذكرى استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ-.

الإمام عليٌ -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- بمنزلته العظيمة في الإسلام، بمقامه الكبير، والمهم، والأساس في الرسالة الإلهية، في الأمة بكل ما يعني الأمة، بكل ما يهم الأمة، يُستشهَد ومن خلال رجلٍ محسوبٍ على الأمة! ومن خلال مؤامرةٍ من داخل من يُحسبون على أنهم من الأمة على أنهم من المسلمين! هذا الحدث الذي هو أبرزُ تجليّات الانحراف الكبير الذي تغلغل في واقع الأمة، وأثّر في واقع الأمة، وسبب للأمة أن تتجه في الاتجاه السلبي في واقعها العام الذي أوصلها إلى ما وصلت إليه اليوم، وما وصلت إليه أمتنا الإسلامية اليوم كافٍ في أن نستوعب عظيم المأساة، وأن نستوعب مستوى الانحراف الكبير الذي أثّر تأثيراً خطيراً وكبيراً. ما وصلت إليه الأمة الإسلامية اليوم أن صارت دون مستوى بقية الأمم، هي اليوم الأمة المقهورة، المضطهدة، المحاربة، المستهدفة، في موقع العجز والضعف، تتكالب عليها الأمم الأخرى، وفي موقع التخلُّف والشتات، دون مستوى بقية الأمم! هذا الواقع ليس واقعاً طبيعياً أبداً؛ لأن لهذه الأمة المقومات العظيمة، الكفيلة بأن تجعل منها هي الأمة التي تسود الأمم، والتي تُهيمن في رُبُوع الأرض حاملةً للقيم بالأخلاق، وبالعدل، وبالحق، وبالخير.

أدقّ تعبير عن منزلة الإمام علي في الإسلام

الإمام عليٌ عليه السلام: منزلته العظيمة في الإسلام أصدقُ تعبيرٍ عنها، وأدقُّ توصيفٍ لها هو ما قاله الرسول صلوات الله عليه وعلى آله، في النص الثابت الذي تناقلته مختلف الطوائف والمذاهب الإسلامية (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي) هذا النص العظيم، الثابت، المتواتر: تضمّن فعلاً ببيان الرسول وهو الذي منحه الله القدرة البلاغية، والبيانية العالية، والفائقة، والعظيمة، والعميقة، والكافية، قدّم التوصيف الدقيق لمقام الإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ-.

وحينما نتأمل بعض التأمل في هذا النص فإنه يحدّدُ لنا، ويوضّحُ لنا، ويكشف لنا، ويبيّن لنا، ويدللُ لنا مستوى المقام الايماني، والكمال الايماني الذي وصل إليه الإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- هذا النص ليس مجرد ثناء |لا|، هو يعبر عن حقائق، هو نص حينما قاله النبي -صلوات الله عليه وعلى آله- لم يقله جزافاً ولم يقله فقط من تلقاء نفسه، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم4]. قاله بالتأكيد بأمرٍ من الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- بهدايةٍ من الله، بتعريفٍ من الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- لأن الله هو المحيط بعباده خُبْراً، هو الذي يعلم واقع عباده في ذات صدورهم، في حقائق ما يعيشونه في واقعهم النفسي والعملي وفي مستوى ما هم عليه من الإيمان، من الهداية، من المعرفة إلى آخره.

فالرسول -صلوات عليه وعلى آله- حينما حدّد مقام الإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- وشبهه بهذا التشبيه البليغ (بمقام هارون من موسى بمنزلة هارون من موسى) وكُلُّنا يُدرك، والجميع يعرف أن هارون -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- في منزلته من موسى هو الرقم الثاني في إطار أمة موسى، يعني لا يفوقه في إيمانه، في كماله الإيماني، في دوره الرسالي إلاّ أخوه موسى الذي هو فوق مستواه، وهو بالنسبة لهارون كان لأخيه موسى الوزير، والمُعين، والمصدِّق، والمؤيد، والمساند. يعني كان له دور محوري أساسي رئيسي، ومهم جدًّا في إطار الرسالة الإلهية أمام العدو وفي الداخل نفسه أمام قومه.

فالإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- تتحددُ لنا معالم شخصيته الإيمانية، وكماله الإيماني العظيم، واستيعابه للرسالة الإلهية في مستوى إيمانه بها، علاقته بها، تجسيده لمبادئها وقيمها من خلال هذا النص المهم، إضافةً إلى دوره فيما يتعلق بالرسالة الإلهية والدين الإلهي، دوره المحوري، والرئيسي، والأساسي، والمهم جدًّا من هذا الموقع بمنزلة هارون من موسى، كوزيرٍ معاضدٍ مساندٍ، يمثِّلُ الامتداد لهذه الرسالة في حمايتها، في تبليغها، في تبيينها، في إقامتها في الحافظ على مفاهيمها. وفعلاً: المسألة أساسية بالنسبة للدين، المشروع الديني بكله، حتى يمكن إقامته في الواقع والنهوض به في الحياة، له ركائز أساسية، ومعالم أساسية، وسبق لنا في كلمةٍ سابقة بهذا الخصوص أن تحدثنا عن المعالم، والركائز الثلاث للمشروع الإلهي، التي هي المنهج أولاً: القادة والرموز ثانياً: المقدسات التي تُمثِّل معالم في الأرض ثالثاً: وهذه مسألة واضحة عندما نعود لنتأمَّل في كتاب الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-.

المنهج الديني وافتقاره للهداة والأعلام

المنهج الإلهي ما كان ليقوم، ولا لينتشر ولا ليلقى القابلية في واقع البشر بدون رموزه، بدون أعلامه الذين قاموا بدورٍ متعدد من خلال البلاغ والتبيين، والتوضيح وإقامة الحجة، ومن خلال التجسيد للمبادئ، والقيم والتمثيل العملي لها في واقع الحياة، وإبرازها عملياً في الواقع العملي ليرى الناس عظمتها وليرى الناس جمالها، وجلالها، وجاذبيتها الكبيرة في الواقع وإمكانية تطبيقها بما يترتَّب على تطبيقها من آثار ونتائج إيجابية في واقع الحياة .ولأهمية الأمر وباعتباره من ضروريات المشروع الديني نجد أن الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- خاطب نبيّه الكريم وهو في مقام النبوة، يتنَزَّل عليه الوحي، يصل إليه الهديُ  الإلهي وتعليمات الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- في إطار الوحي الإلهي غضةً طريَّة، في مقام الوحي وفي مقام النبوة، الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- يقدم له في كتابه الكريم قائمةً من أسماء الأنبياء والرسل فيعدهم ثم يقول عنهم {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام90] يخاطب من؟ النبي محمداً في مقامه، وفي موقعه من النبوة والوحي، يوحى إليه، على ارتباط مباشر بهدى الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- وبالوحي الإلهي. مع ذلك يلفت نظره، يوجِّهه إلى أن يهتدي وأن يقتدي بأولئك السابقين من الأنبياء والرسل أن يرتبط بهم كرموز، وهداة، أن يرتبط بهم في موقع القدوة.

في إطار الدين في إطار المشروع الديني: لا بد من القدوة لا بد من الأعلام، لا بد من الرموز، لا بد من الهداة الذين نرتبط بهم في إطار الدين نفسه فنقتدي بهم، ونهتدي بهم، ونتخلّق بأخلاقهم، ونتأثّر بهم، ويمثِّل ارتباطنا بهم عاملاً مهماً في أن نرتبط بالمشروع الديني ذاته، في أن نتخلّق بأخلاقه، في أن ننطلق من خلال مبادئه، في أن نلتزم بتعليماته. نرى فيهم هم نرى في معالم حياتهم في سلوكياتهم في مواقفهم في حركتهم في الحياة، الشواهد لهذا الدين، في عظمته، في جاذبيته، في تأثيراته المهمة. ولذلك المسألة أساسية نجد أن الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- في كتابه الكريم، في سورة الفاتحة التي نتلوها في كلّ صلاة فنقول فيها {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة7] في الوقت الذي نطلب من الله نتوجّه إلى الله أن يهدينا إلى صراطه المستقيم –  قال الله عن هذا الصراط المستقيم أنه {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة7] صراط له أعلامه، له رموزه، له هداته الذين نهتدي بهم، وهم لنا القدوة، وهم لنا القادة، وهم من يُجسّدون لنا معالم هذا الدين، وحقائق هذا الدين، ومبادئ هذا الدين، وأخلاق هذا الدين، وبطريقةٍ صحيحة، هم يمثّلون الضمانة في التطبيق الصحيح، والتطبيق السليم للدين، والحفاظ على مفاهيمه من التحريف. لأن الدين- وهذه حالة حصلت حتى في الرسالات السابقة، بعد الأنبياء السابقين، بعد موسى بعد عيسى، وغيرهم من الرسل، والأنبياء- أن الدين الإلهي يتعرض في مراحله المختلفة، وفي إطار الرسالات السابقة يتعرض دائماً لعملية تحريف، تحريف لمفاهيمه، وتحريف لقيمه وأخلاقه، وتحريف لمبادئه، وتحريف دائماً ما يُحسَب على الدين نفسه، وباسم الدين نفسه، ومن خلال عناوين الدين نفسه.

الأعلام ودورهم في الحفاظ على مفاهيم الإسلام

دائماً ما تطرأ عملية التحريف للمفاهيم الدينية، ومن خلال رموز مضلين لديهم قدرات فائقة على التضليل والخطاب، على التضليل للناس، ولديهم القدرة على توظيف الخطاب الديني نفسه، من خلال تحريف مفاهيمه وقلب مبادئه رأساً على عقب، يستطيعون من خلال ذلك التضليل للكثير من الناس، والخداع للكثير من الناس، عوامل متعددة تُسهم في عملية التحريف للمفاهيم الدينية.

عندما ينتصر الدين ويصبح حقيقةً واقعةً ثابتة، ويرى فيه الآخرون أنه في ظهوره، في ثقله في انتصاره، في هيمنته في الواقع، أصبح ثابتاً راسخاً لا يمكن أبداً التخلُّص منه ولا إزالته – أصبح ارتباط الناس به ارتباطاً وثيقاً ثابتا لا يمكن فصلهم عنه.. يرى الآخرون وفي المقدمة  ملوك الجور، والظالمون، والطغاة، والمستكبرون، والمفسدون في الأرض يرون في هذه الحالة حالةً معقَّده يعني انتصار الدين، وارتباط الناس الوثيق به، فلا يمكن فصلهم عنه، ويرون في نظرتهم إلى الدين أن جملةً أساسيةً من مفاهيم الدين هي التي تمثِّلُ بالنسبة لهم خطراً كبيراً، وعائقاً كبيراً عليهم في إمكانية أن يهيمنوا على الناس بظلمهم، بفسادهم، بشرهم، بطغيانهم، باستكبارهم، بالتالي: بما أن عملية فصل الناس عن الدين بالكامل، وإزاحة الدين والرسالة الإلهية بالكامل من واقع الحياة مسألة صعبة غير ممكنة؛ يعْمِدون إلى توظيف مفاهيم الدين بعد تغييرها وقلبها من خلال علماء السوء، دائماً ما تتم عملية التضليل والتحريف للمفاهيم الدينية من خلال علماء سوء! هذه من الحقائق الثابتة. علماء سوء لديهم قراءة، إطلاع على المفاهيم الدينية والمعارف الدينية، يقومون هم بتحريف المعاني والمفاهيم وتزييفها وقلبها إلى ما يتطابق مع رغبات وأهواء ملوك الجور، وسلاطين الظلم، والحكومات الجائرة حتى يتهيأ لها أن تحكم، أن تسيطر، أن تتغلب، وبدون أن تحتاج إلى أن تدخل في صدامٍ عنيف مع المجتمعات التي آمنت بالرسالة الإلهية، وأصبحت على ارتباطٍ وثيقٍ بها، فتحصل عملية (قَوْلَبَة).

مثلما نلحظ الآن في واقعنا المعاصر أليست أمريكا الآن متجهة إلى توليفة جديدة للدين الإسلامي؟ يعني لم يكتفوا بما قد حصل من تحريف لمفاهيم، من قلب لحقائق، من تغييرات كبيرة على مدى قرون طويلة من الزمن لم يكتفوا بهذا- الأمريكيون لم يكتفوا بهذا! لازال لديهم أشياء جديدة إضافية من التعديلات، والتغييرات، والتلعُّبْ بالمفاهيم بما يخدم مصالحهم، بما يبطل فاعلية قيم الإسلام الحقيقية في الناس التي تحيي الناس، والتي تَخلُق في واقع الناس الوعي الكافي، وتُعطِي الناس البصيرة النافذة، واللازمة، وتُحرِّك المجتمع فيكون واقعه ممتنعاً عن هيمنة الظالمين، والمستكبرين، والمفسدين، والطغاة، والجبابرة، فتتم عملية التحريف. فإذا أراد الناس أن يكونوا في واقعهم مرتبطين بالمنهج من دون رموز، من دون أعلام، تصبح هناك قابلية كبيرة لعملية التحريف والتضليل.

يعني من أتى على الناس وقرأ عليهم نصوصاً دينية (قَوْلَبَهَا) كما يشاء، لديه قدرة في (قَوْلَبَة) النصوص والتلعُّب بها، أو إنزالها في غير محلها، في غير مصاديقها، تقبل الناس منه، وهنا ينجح الآخرون في عملية التحريف إلى حدٍ كبير، ويستطيعون أن يُحَوِّلُوا عملياتهم التضليلية، والتحريفية إلى مدارس كبرى، معتقدات، وأفكار، ومفاهيم، وثقافاتٍ يصبح لها جمهورها الواسع المؤمن بها، المقتنع بها، المتحرك على أساسها. تُدَرَّس في مدارس، تُكْتَب لها كتب، تُنَزَّل في محاضرات وهكذا. وتصبح ثقافةً سائدةً وقد تمشي عليها أجيال، جيل بعد جيل، لتمتد عبر الزمن، ويتدين يتدين الناس بضلال وباطل ويعتبرونه قربةً يتقربون به إلى الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-.

لذلك: العملية الدينية المشروع الديني في أساسه، هو دين الله الحكيم، دين الله الذي هو أحكم الحاكمين، والله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- جعل دينه في معالمه، في ركائزه، في طبيعة المشروع نفسه، على النحو الذي يضمن سلامته.. سلامته للأجيال، سلامته للبشرية، فللدين رموزه، {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة6] في نفس الوقت {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة7] هؤلاء الرموز هؤلاء الأعلام الذين هم للدين تَرْجُمَانُه، ولسانه، وهم مصاديقه العملية في الواقع، هم تَرْجُمَانُه وهم يُبيّنون، وهم تَرْجُمَانُه وهم يعملون.

يعني نستفيد منهم في معرفة المفاهيم الصحيحة للدين، فيما بيّنوا فيما بلَّغُوا فيما قالوا فيما تحدّثوا، وكذلك فيما فعلوا في أعمالهم في سلوكياتهم في مواقفهم في تصرفاتهم. نستفيد منها كذلك نجد فيها المصاديق الحقيقية للمفاهيم الدينية والخطاب الديني. فهذه تُمثِّل ضمانةً للأمة ضمانة للأجيال ألاّ يؤثر فيها لا المضلون ولا المحرِّفون. حينما ترتبط بالمشروع الإلهي برموزه وأعلامه وليس فقط ارتباطا مجتزأً يتجه فقط إلى الخطاب الديني، أو إلى المفاهيم الدينية، ومن جاء ضلّل ولعِب وحرَّف، وتقبَّلتْ منه الأمة، وتأثّر به الناس. فالأنبياء هم طلائع الرموز هم الرموز الأساسيون، الأنبياء والرسل هم في واقعهم العملي والسلوكي، وحركتهم في الحياة، وقيامهم بالمشروع الديني؛ لأنه عادةً ومن ضمن الوظائف الأساسية للرسل والأنبياء أنهم ليسوا فقط مبلِّغين بالكلام والحديث والبيان، بل عادةً يعملون هم على إقامة تلك المبادئ، والقيم، والأخلاق على إقامة الدين بتفاصيله الأخلاقية وغيرها. فهم يعملون على إقامة الدين وبالتالي: يتحركون على إطار مشروع عملي للنهوض بالدين في واقع الناس وفي واقع الحياة.

الأنبياء والرسل في المقدمة، ومن بعد الأنبياء والرسل أكيد هناك امتداد لورثتهم الحقيقيين الصادقين الذين يمثلون حلقة الوصل المأمونة في الرموز والأعلام والعظماء والهداة, حلقة الوصل المأمونة التي يمكن الوثوق بها والاطمئنان إليها في أنها: هي تقدم الدين على نحوٍ صحيح، وأنها هي من يجب أن ترتبط بها الأمة في ظل المشروع الديني، من موقعها في القيادة وهكذا هو الحال مع علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- (بمنزلة هارون من موسى ) واقعه من محمدٍ -صلوات الله عليه وعلى آله- بكماله الإيماني العظيم، ومؤهلاته العالية، يعني ليس مجرد وظيفة أو منصب هكذا، أو وسام شرف أُعْطِيَهُ الإمام علي هكذا| لا|، عن جدارة بعد أن أعطاه الله المؤهلات العالية الكبيرة العظيمة الراقية على المستوى الإيماني، والتربوي، والمعرفي، والقيمي، والأخلاقي ليكون بمستوى هذا المقام العظيم، ليكون هو امتداد الهداية وحلقة الوصل مع محمد -صلوات الله عليه وعلى آله- مع رسول الله وخاتم أنبيائه. الرسول قال (إلا أنه لا نبي بعدي) علي لا يؤدّي هذا الدور كنبي |لا|؛ لأن النبوة خُتِمَت بخاتم الأنبياء وسيد الأنبياء رسول الله محمد -صلوات الله عليه وعلى آله- ولكنه يؤديه من موقعه في كمال إيمانه كوزير، كوصي، يؤديه من موقعه في كمال الإيمان ليكون هو من يتحرك بهذه الأمة – وهو يربي، وهو يعلم، وهو يرشد، وهو يقدم مفاهيم هذا الدين، وهو يجسد مبادئ هذا الدين في الواقع العملي، وهو يَجهَد ويجاهد للحفاظ على مفاهيم هذا الدين كي لا تتغير بفعل تحريف المحرفين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

الإمام علي وعملية التأهيل للدور الكبير

والإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- حظي في مسيرة حياته بمسارٍ متميزٍ يؤهله لهذا الدور لأنه مقامٌ مهم مقامٌ كبير، ومقامٌ عظيمٌ يحتاج إلى عنايةٍ خاصةٍ وتربيةٍ فريدةٍ ومتميزةٍ وهذا ما كان.

لقد شاء الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- أن يكون من يتولى تربية علي منذ طفولته المبكرة هو رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- أراد أن يرد الجميل إلى عمه أبي طالب؛ لأن أبا طالب قام بدور أساس في كفالة النبي وتربيته بعد وفاة جده عبد المطلب، وبتدبيرٍ من الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- تولى رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله هو تربية، وتنشئة الإمام علي منذ طفولته المبكرة – فسلّمه والده أبو طالب إلى النبي -صلوات الله عليه وعلى آله- وكان ذلك ما قبل النبوة.

فالنبي تولى هو منذ طفولة علي المبكرة التربية لهذا الرجل وأعدّه إعداداً متميزاً، وشرح الإمام -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- أجواء وواقع هذه التربية والعناية الكبيرة به من جانب الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- فقال : (وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد (طفل صغير) يضمني إلى صدره ويكنفني إلى فراشه ويمسني جسده ويشمني عَرْفَه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل ) وهذه نقطة مهمة جدًّا: أنه بمثل ما حظي الإمام علي عليه السلام بعنايةٍ خاصةٍ من جانب الرسول واهتمامٍ كبيرٍ بتربيته، وإعداده وتهذيبه .الإمام علي نفسه كذلك هيأه الله لأن يكون لديه قابلية عالية للتربية هذه.. لو لم يكن لدى الإمام علي نفسه فيما هيأه الله له قابلية كبيرة لمستوى التفاعل الكبير مع هذه العناية من جانب الرسول – لما أثمرت تلك الثمرة الكبيرة. لأنه مثلا قد تحرص على أن تهتم بشخص معين أو بابنك مثلاً لتربيه تربية، تحرص تبذل جهوداً كبيرةً ولكن ترى النتائج محدودةً لأن مستوى القابلية لدى المتلقي محدودة مثلاً، لكن الإمام علياً “لا “، كان مستوى القابلية كبيراً لديه، وتفاعله هو – وهو من الله مهيأ لأن يتفاعل بشكلٍ كبير، فكان كل جهدٍ تربويٍ من رسول الله يثمر في الإمام علي ثمرةً عظيمة، يترك فيه أثراً بليغاً، يحقق نتائجه فيه (وما وجد لي كذبة في قولٍ ولا خطلةً في فعل) استقامةً عاليةً، تفاعلٌ كبيرٌ، وتأثرٌ عظيمٌ.

ثم يحكي الإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- بفعل هذا الارتباط القوي هذا الارتباط المتميز، هذا الاندماج الكبير في حياة النبي، يحكي عن واقع النبي نفسه -صلوات الله عليه وعلى آله- (ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره) الرسول نفسه حظي بتربيةٍ عظيمةٍ جدًّا، وهو كذلك كان مهيأً بشكلٍ عظيمٍ جدًّا، لا أحد يساويه من البشر فيما هيأه الله له من التأثر والتقبل. فالنبي حظي برعاية خاصة من الله في تربية، أن قرن الله به ملكاً عظيماً من ملائكته، يهتم بتربيته بتعليمه بتهذيبه بتوجيهه، وهذا الرجل الذي تولى الله تربيته وأنزل ملكاً من ملائكته ليؤدي هذا الدور –أيضاً– تولى هو تربية علي، يواصل الإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- ويشرح لنا تلك الأجواء التربوية الرائعة فيقول :(ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يومٍ من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به). تربيةٌ مستمرةٌ يوميةٌ عنايةٌ خاصة، اهتمامٌ كبير، تنشئةٌ على مكارم الأخلاق منذ الطفولة.

ومما تميز به الإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- أنه وبخلاف بقية المسلمين في عصر النبي -صلوات الله عليه وعلى آله- لم يحدث أبداً بأن تدنس بدنس الجاهلية لا بشركها ولا بقذاراتها ولا بباطلها، بفعل هذا الاختصاص هذه العناية هذه التربية هذا الارتباط الوثيق منذ أن كان طفلاً صغيراً بالنبي -صلوات الله عليه وعلى آله- هكذا يقول: (يرفع لي في كل يومٍ من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنةٍ بِحِرَاء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيتٌ واحدٌ يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة ).

عطاؤه المتميز لنصرة الإسلام

فكان الإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- بفعل هذه التربية العظيمة، والإعداد العالي، والعناية الخاصة ارتضع الرسالة ارتضاعاً تعلم الأخلاق، عاش أجواء الهداية الإلهية، والاختصاص الوثيق، والارتباط القوي جدًّا بالرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- وواكب الإسلام من يومه الأول، فكان أول المؤمنين برسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- وتوجه في بقية حياته منطلقاً بانطلاقةٍ متميزة، ليسهم إسهاماً كبيراً، عظيماً، متميزاً في إقامة الرسالة الإلهية في إقامة الدين بجهاده المرير، وما بذله من جهودٍ كبيرة وهو يجاهد ويقاتل مع رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- موظفاً ما منحه الله من مؤهلات عالية على المستوى الإيماني وعلى المستوى الفطري بما أعطاه الله من شجاعةٍ فائقةٍ وقدراتٍ قتاليةٍ متميزةٍ ازدادت وعَظُمَت بالإيمان نفسه، بفعل الإيمان نفسه فكان فارس الإسلام ورجل الإسلام وبطل الإسلام الذي تصدّى في كل ميادين القتال وفي ساحات الصراع لصناديد الكفر وأبطال الشرك والطغاة والمستكبرين بكل ما كانوا يمثلونه من إمكانات وقدرات وتحدٍ ضد الإسلام وضد أهله .

الإسهام الكبير للإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- في إقامة الدين بجهاده العظيم، وبما جسده من أخلاق وقيم، بدوره المهم جدًّا في كل المراحل التي تمثّل تحديات استثنائية، وعندما يعود الإنسان ليقرأ التاريخ يرى ما عمل علي، وما وُفِّقَ به علي وما بلغه علي من مقامٍ إيمانيٍ عظيم، لا محاضرة ولا كلمة يمكن أن تستوعب ولا القليل من ذلك – رصيدٌ عظيمٌ مع الإمام علي عليه السلام، وهكذا واكب الإسلام في كل مراحله منذ يومه الأول مجاهداً مناصراً مبلغاً، ناهضاً بالمهام الاستثنائية، قائماً بدورٍ فريدٍ متميز حتى عبر الإسلام كل مراحل الخطر، وتجاوز الإسلام كل التحديات، وألقى بِجِرَانِهِ وثقله في شبه الجزيرة العربية وأظهره الله على الدين كله، وأصبحت رايته هي أعلى الرايات وكلمته هي العليا . وأصبح الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- قريباً من الرحيل والعروج إلى رحمة الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- وقد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فكان يلفت نظر الأمة إلى عليٍ -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- في أن تلتف حول هذا الرجل أن تقتدي به أن تهتدي به أن تتبعه، يجعل منه علماً هادياً عند الفتن عندما تمر الأمة بالفتن والأخطار، يقرنه بالقرآن، يؤكد على أنه قرين للقرآن، وبمثل النص السابق (علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).

دخل رجل من المؤمنين اسمه أبو ثابت، دخل إلى أم سلمة زوج النبي -صلوات الله علي وعلى آله- وكانت من خيار نساء النبي، فقالت له يا أبا ثابت: (أين طار قلبك حين طارت القلوب مطايرها)؟ أين اتجهت أنت مع من؟ إلى أين؟ فقال لها: تبع علي بن أبي طالب، قالت: وُفِّقتَ، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: (علي مع الحق والقرآن والحق والقرآن مع علي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض). وذات مرة استأذن عمار بن ياسر على الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- وكان الرسول في بيت أبي أيوب الأنصاري، فكان أنس هو الذي على الباب، فقال أنس بن مالك: حينما سأله الرسول عن الطارق على الباب قال عمار: قال: (افتحوا لعمار الطيب المطيَّب) فدخل عمار فتحدث معه الرسول بحديثٍ واسع كان من ضمنه أن قال له: (فإن سلك الناس وادياً وعليٌّ وادياً، فاسلك وادي علي وخلّ عن الناس، يا عمار إن علياً لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردى، يا عمار طاعة علي طاعتي، وطاعتي طاعة الله عز وجل). وهكذا نجد في توصيات الرسول المتكررة والكثيرة التي لفت بها نظر الأمة إلى هذا الرجل العظيم كعلمٍ للحق، وقرينٍ للقرآن، وكهادٍ للأمة تهتدي به.

ونحن كما سبق وقلنا: نسلك بمشيئة الله وبتوفيقه وادي علي وإن سلك الناس وادياً آخر

الإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- واصل مشواره، مشوار الهداية، والإيمان، والحفاظ على مفاهيم الرسالة الإلهية. والرسول قال له: (ستقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله).

إضطلع عليٌ -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- بهذه المهمة الكبيرة، قاتل للحفاظ على مفاهيم الدين، ولو لا جهده وجهاده بعد وفاة النبي -صلوات الله عليه وعلى آله- وفي المراحل العاصفة من تاريخ الأمة، لولا جهوده الكبيرة والمريرة لكانت جهود المحرّفين لمفاهيم الدين قد حققت نجاحاً هائلاً في واقع الأمة، ولأظلم واقع الأمة وانطفأ نور الرسالة والنبوة، ولكن شاء الله أن يؤدي هذا الرجل العظيم هذا الدور الكبير، وواصل رغم ما عاناه من تخاذل الكثير من الناس من المحن، والفتن، والصعوبات، وما قاساه من الشدائد في واقع الأمة حتى جاءته الشهادة ففي بيت الله وُلِد وفي بيت الله كان على موعدٍ مع الشهادة.

الوصية الخالدة

والإمام عليٌ -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- حتى وهو على فراش الشهادة، وهو يتحضّر لوداع هذه الحياة ليلتحق بالرفيق الأعلى كان يتوجّه إلى ذريته إلى أولاده إلى الأمة من حوله، يتوجه بكلام الهدى، بالنصائح والإرشادات العظيمة والمهمة. على فراش الشهادة، وهو يعيش اللحظات الأخيرة في هذه الدنيا وجّه وصيةً من وصاياه المهمّة والعظيمة إلى ولديه الحسن والحسين سبطي رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله- قال لهما:

(أوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما( إجعلا وجهتكما إلى الله (ولا تأسفا على شيءٍ منها زوي عنكما، وقولا بالحق، واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً( الظالم لا مهادنة معه ولا تغاظٍ عنه خصومة مستمرة (كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم فإني سمعت جدكما -صلى الله عليه وآله- يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، والله الله في الأيتام فلا تُغِبّوا أفواههم) وفّروا لهم طعامهم، احتياجاتهم الأساسية (ولا يضيعوا بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورّثهم، والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم لا تُخلوه ما بقيتم فإنه إن تُرك لم تُناظروا، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيُولّى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم )  ثم لقيَ ربه شهيداً .

الإمام علي -عَلَـيْهِ السَّـلَامُ- حياته، جهاده، مواقفه، أعماله، كلها دروس كلها عبر، كلها مصدر من مصادر الهداية، كلها مصاديق للقرآن، عليٌ مع القرآن فكانت حياته، مواقفه، أعماله مصاديق للقرآن الكريم وتجليات لهدى الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- كلما عدنا إلى سيرته كلما تعرّفنا على معالم شخصيته كلما كان أمامنا الدروس المهمة والعظيمة التي نحتاج إليها في هذه المرحلة، في هذا العصر المليء بالفتن، نحتاج إلى أن نستلهم شخصية علي، ومن شخصية علي كيف نكون في إسلامنا كيف نكون في تديننا، كيف هو التدين الصادق بقيمه العظيمة، في الإباء، في العزيمة، في الجهاد، في الصبر، في التضحية، في الإحسان، في العلاقة الوثيقة الصادقة بالله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- في الوعي العالي، في البصيرة النافذة، عطاءٌ واسعٌ من حياة علي نستفيد منها في زمننا في مواجهة التحديات والأخطار التي نعيشها، من موقعك كفرد، في حياته كفرد، في حياته كقائد، في أبعاد حياته، وفي معالمه المتنوعة والمتعددة .

الخلل في المنظومة الفكرية وانعكاساته الخطيرة

في ظل الظرف الحالي والأحداث الحالية المعاصرة، وفي ظل الحدث الأبرز وهو الأحداث في فلسطين المحتلة نجد الأسى فعلاً نأسى على واقع أمتنا، اليوم شعوب كثيرة، حكومات متعددة، البلدان المتعددة، والواسعة البلدان العربية والإسلامية التي تعرف وتشاهد، وترى مجريات الأحداث اليومية والمآسي المتكررة لشعبٍ عربيٍ مسلمٍ، مظلومٍ مضطهدٍ مقهور، والأمة في واقعها تعيش وكأنها مقيَّدة عن أن تفعل شيئاً! أيُّ قيود هذه التي كبَّلت هذه الأمة الكبرى فأفقدتها فاعليتها وجعلتها تعيش واقع الأسى؟ وهي ترى ما يحصل هناك، وكأنه ليس بإمكانها أن يكون لها موقف؟! لا إشكال ولا شك أن الأنظمة نفسها الأنظمة والحكومات الجائرة أسهمت إلى حدٍ كبيرٍ في أن يصل الوضع إلى ما وصل إليه، وإلا معلوم من واقع الشعوب ومن حال الشعوب أنها لا زالت تحمل الشعور الحي، أنها لا زالت تتألم تأسى وهي ترى ما يحصل هناك، والكثير يتمنى لو أن بإمكانه أن يعمل شيئاً، والبعض يتطلع، والبعض يستشعر المسئولة حتى في أن يعمل شيئاً.

الواقع هو يشهد على عظيم الخلل في المنظومة الفكرية، والثقافية، والسياسية، والمعرفية الذي لعب بأمتنا إلى أن أوصلها إلى هذا الحد، أمة تفقد الفاعلية تجاه أبرز الأحداث والأخطار، والتحديات، وتجاه المسؤولية ذاتها لأننا كأمةٍ مسلمةٍ نتحمل مسؤولية تجاه ما يحصل وما يجري. ومع ذلك يُفترض ألا نراهن على الوضع العام، على الموقف العام، على الحالة العامة. أن يحرص الكل على أن يتحرك على أن يعمل ما يستطيع على أنه إذا صمت الآخرون فلا نصمت – لنتكلم، إذا قعد الآخرون فلا نقعد، إذا تخاذل الآخرون فلا نتخاذل، أن نلتفت بجدية إلى جذور المشكلة؛ لأن الأمة اليوم هي أحوج ما تكون إلى أن تلتفت إلى هذه المسألة، جذور المشكلة أين مشكلتنا كشعوب عربية مسلمة؟ كعالم إسلامي أين مشكلتنا؟ وما هي حقيقة الإشكال الذي أوصلنا إلى أن نكون هكذا؟ أمة كبيرة أكثر من مليار مسلم لديها مقدرات ومقومات وإمكانات ولكنها فقدت الفاعلية والتأثير لدرجةٍ بئيسة! منحطة! فظيعة! مخزية! مؤسفة! أمر غريب! واقع أمة كبرى تصل إلى هذا المستوى المتدني جدًّا جدًّا من انعدام التأثير، أو ليس بوسع مليار مسلم أن يكون لهم ثقل أكبر في هذا العالم؟ تأثير أكبر في مجريات الأحداث التي تطالهم هم ظلماً، وقهراً، وطغياناً، وتجبراً، وأسىً، واضطهاداً؟ بلى” بمقدورهم الكثير الكثير.

إن الذي عطّل هذه القدرة، وأفقد الأمة هذا التأثير هو خللٌ في داخل الأمة، إشكالٌ في داخل الأمة، إن جذور المشكلة في واقع الأمة الداخلي، ولهذا يتحتّم علينا أمام الأخطار، أمام الأحداث، أمام هذه المشاكل الكبيرة أن نعالج وضعنا الداخلي، أن نصحح واقعنا الداخلي كمسلمين حتى يتغيّر هذا الواقع الذي مثّل أكبر عامل يستفيد منه العدو، الواقع الداخلي للأمة، الحالة السائدة الغالبة.

بقدر ما نرى من حالة سلبية وواقع سلبي يمكن للناس أن يخرجوا، أن يتحركوا، نحن نرى كم كانت إيجابية الخروج الماضي عندما خرج شعبنا اليمني على نحوٍ متميز، لم تخرج بمثله أيُّ منطقة، أو أيُّ بلد، أو أيُّ شعبٍ من الشعوب الأخرى، خرج شعبنا اليمني بمظاهرات كبيرة، بصوته العالي الذي أسمع العالم، بتفاعله الصادق، ويختلف الموقف الشعبي عن الموقف الرسمي الذي لا يكاد يلتفت أصلاً لما يحدث في فلسطين.

فلسطين بين الموقف الشعبي والرسمي

للأسف الشديد كان يفترض بالجانب الرسمي أن يشيد بالخروج الشعبي والجماهيري بدلاً من ذلك اكتفى الرئيس بخطابات الاسترضاء لحزب الإصلاح، ودواعش الإصلاح، وقال في خطابه الكثير والكثير من الكلام المجانب للحقيقة، البعيد عن المصداقية، وهو مجرد استرضاء يسترضي به أولئك الذين استرضاهم أيضاً بمعسكرات، واسترضاهم بوزارات، واسترضاهم على حساب شعبٍ بأكمله، شعب يعاني، وهو يسترضي حزباً ويترك شعباً، أيُّ معادلة جائرة؟ أيُّ سلوك غير سويّ؟ استرضاء حزب على حساب شعب! أيُّهم أولى لك شعبُك أم حزب؟ حزب فقط، وهذا الحزب أصبح في واقعه السلوكي تجاه أبناء شعبه، دخل في إشكالات كثيرة، وصل إلى حالة من العزلة السياسية نتيجة ممارساته السياسية الخاطئة، وتبنّيه منهج العنف، وإثارة الفوضى، وارتباطه بمشاريع أجنبية، الارتباط بالمشاريع الداعشية، والتكفيرية، والقاعدية، والفوضى الأمنية وما شابه.

كان يُفتَرَض بحكومة ما يسمى بالوفاق وبالرئيس نفسه أن يكونوا منسجمين، متناغمين مع هذا التفاعل الشعبي تجاه الحدث الأبرز، القضية التي يجب أن يلتفت إليها الجميع. الوضع في عمران ليس مقلقاً أقول هذا للرئيس، وأقول للآخرين الوضع في عمران وضع طبيعي، وضع أصبح بفضل الله أصبح وضعاً، مستقراً، إيجابياً، وما جرى هناك لا على الجمهورية شيء، ولا على الدولة شيء، المشكلة هناك فقط كان هناك مشاغبة، اعتداءات إجرامية من جهات معروفة، وعرف بها كل العالم ووصّفها كلُّ العالم، وانتهت المشكلة وأصبح الوضع مستقراً، لماذا لا يلتفت الجميع؟ الجهات الرسمية مع الجهات الشعبية إلى الحدث الأبرز؟

نحن كشعبٍ يمنيٍ مسلم في كل محافظة، في كل منطقة، في كل مدينة، في كل قرية، في كل جبل، في كل واد، الجميع يتألم لما يحدث في فلسطين، الشعب اليمني هو يستشعر المسؤولية تجاه القضايا الكبرى للأمة بشكلٍ كبير، ويتفوق على كثيرٍ من الشعوب، وشعبنا اليمني أيضاً سيكرر خروجه يوم غد، وفي احتشاده يوم غد في الساحات، سيكرر المصداقية ويُثبت تفاعله بقلبه وقالبه، مع شعبنا الفلسطيني المظلوم ليؤيد، ويتضامن مع حركات المقاومة الإسلامية التي كانت فعلاً في ظل هذا الوضع المأساوي والمحن الكبيرة والتخاذل العام لكنها كانت في موقفها المتميز بثباتها وجهادها، وصمودها، وصواريخها التي أقلقت وقوضت الأمن الصهيوني، فجعلت الإسرائيلي يعيش الخوف وهو كان يأمل بأن يخيف الآخرين ولا يخاف، وأن يقتل الآخرين ولا يُقتَل، وأن يُدمّر مدن الآخرين وتبقى مدنه لا تصيح فيها حتى صفارات الإنذار ..تغيّرت المعادلة في فلسطين، بأي فعل تغيرت المعادلة في فلسطين؟ تغيرت بالفعل الشعبي، بحركات المقاومة التي هي امتداد شعبي، ذات جذور شعبية، منطلقات شعبية، بقيم الإسلام بأخلاق الإسلام، تغيرت المعادلة. واليوم تنظر كل أمتنا الإسلامية بفخرٍ واعتزازٍ إلى ما تقوم به قوى المقاومة الإسلامية في فلسطين، والمجاهدون، والأحرار الشرفاء في فلسطين من مواقف مشرفة، الجميع ينظر بفخرٍ واعتزاز.

إنني في هذا السياق لأؤمل وأطلب من أبناء شعبنا اليمني أن يكون خروجهم يوم غدٍ إن شاء الله خروجاً كبيراً ومشرفاً أيضاً، بمستوى الأحداث وبمستوى المسؤولية. وآمل أن يترافق مع الخروج في الساحات والاحتشاد في المسيرات، والمظاهرات تقديم التبرعات لصالح المقاومة الإسلامية في فلسطين، لصالح المجاهدين، وأن تجمع التبرعات بالأيادي الأمينة لتسلم إلى مندوبي حركات الجهاد والمقاومة في فلسطين المتواجدين في صنعاء ليكونوا هم المعنيين بإرسالها بأي طريقةٍ من وسائلهم وطرقهم لصالح المقاومين والمجاهدين في فلسطين. في غزة وفي غير غزة هذا ما آمله من شعبنا اليمني العزيز.

مبادرة ونصيحتان

كما أني وعلى مستوى الوضع الداخلي أعلن مبادرةً جديدةً بالإفراج عن مائتين وخمسين أسيراً من أحداث عمران وعلى إثر أحداث عمران، وأوجه هنا نصيحتين:

نصيحة للجهات الرسمية: ألا تمعنوا في استرضاء حزب الإصلاح على حساب أبناء الشعب، وأن لا تستمروا في ممارساتكم الظالمة لهذا الشعب العزيز، شعبنا يزداد وعياً وشعبنا هو شعبٌ أبيٌ وحرٌ وعزيز، وإذا طفح الكيل من ممارساتكم الظالمة توقعوا من شعبنا الكثير الكثير.. لماذا تتجهون إلى أن تقدموا هديتكم السيئة جدًّا لشعبنا العزيز في هذا الشهر الكريم بجرعةٍ جديدة؟ برفعٍ للأسعار بالتضييق على الناس في معيشتهم سواءً أردتموها في آخر هذا الشهر الكريم، قربانكم في العشر الأواخر إلى الله أو أردتموها هدية العيد. لا يجوز.. يكفيكم أن تقرروا جرعة للحد من فساد المفسدين، فساد فاسديكم الذين ينهبون الثروة العامة والمصالح العامة، ويستأثرون بخيرات هذا الشعب، وبالمليارات الهائلة من ثروات هذا الشعب المظلوم، والبائس، والمعاني.

ونصيحتي كما قلت سابقاً لعقلاء حزب الإصلاح: أن يتدارسوا مع دواعشهم تغيير سياسة حزبهم ليس من العيب أن يراجع الإنسان الخطأ لديه، المسار الذي يسلكه حزب الإصلاح في تبني العنف، وإثارة الفوضى، والفتن، والحروب، والأزمات، والمشاكل، والتهيئة للامتداد القاعدي التكفيري صنيعة المخابرات الأمريكية سياسةً خاطئةً ستزيد من عزلة هذا الحزب، وتؤثر على شعبية هذا الحزب، وعلى مستقبل هذا الحزب.

من الأحسن لكم من الأفضل لكم أن تغيروا منهجكم هذا.. منهج العنف والتسلط، وإثارة المشاكل، والأزمات، والإعلام الكاذب وغير ذلك، وأن تكونوا أكثر عقلانية، وإنصافاً، والتفافاً إلى شعبكم لتتصالحوا مع أبناء شعبكم مع مكونات شعبكم بدلاً من العويل، والصراخ، والافتراءات والأكاذيب التي تسوقونها ضد هذا وذاك، وتفترضون من الآخرين في نفس الوقت أن يقفوا معكم في خطأكم، وتصرفاتكم الهوجاء، والمغلوطة.

من الأحسن لكم وأنتم في شهر رمضان أن تفكروا بعقلانية، وأن تغيروا هذا التوجه السياسي الخاطئ فإنه لن يوصلكم إلى نتيجة.. لن يوصلكم إلى نتيجة.

وللمتحدث عن الكهوف أقول له اقرأ سورة الكهف واستفد منها جيداً ففيها هدىً وبصائر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛؛؛