موقع البينات | شبكة البينات خطابات ومحاضرات وحوارات ومقابلات السيد / عبدالملك بدرالدين الحوثي ..خطابات المناسبات..دروس رمضان ومتفرقات الهجرة عاشوراء اليمن

كلمة السيد بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام علي -عليه السلام- 1434هـ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه الكريم {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين، ورضي الله عن صحبه المنتجبين.

أيها الإخوة الأعزاء..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وعظّم الله لنا ولكم الأجر، وأحسن لنا ولكم العزاء في هذه الذكرى الأليمة، ذكرى استشهاد أمير المؤمنين، وإمام المتقين (علي بن أبي طالب -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ-) هذه الذكرى التي هي فاجعةٌ كبيرةٌ في تاريخ هذه الأمة، بقيت لها تداعياتها وآثارها في واقع الأمة.

وعندما نحيي مثل هذه المناسبة، نحن لا نحييها بدافعٍ مذهبي، ولا لأسباب أو دواعٍ مذهبية، فالإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- بمنزلته العظيمة في الإسلام، بمقامه العظيم، هو رجل الإسلام، وهو رمزٌ لكل المسلمين، من له موقف من الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- فكل الآثار والدلائل الثابتة عن رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- تثبت انحرافه عن الإسلام، عن الإيمان.

عندما نحيي هذه المناسبة، وهي أليمة، وهي محزنة، وهي فاجعةٌ كبرى، فإن من أهم ما نسعى له هو أخذ العبرة والدروس من جانب، ومن جانب آخر لنعزز ارتباطنا، وولاءنا، واتباعنا، واقتداءنا بهذا الرمز العظيم الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- الذي مَثَّل امتداداً حقيقياً أصيلاً للإسلام بعد وفاة الرسول صلوات الله عليه وعلى آله، وفي مرحلةٍ مهمةٍ وحساسةٍ من تاريخ الأمة.

الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- بمنزلته العظيمة التي عرَّفنا بها الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- حينما قال (عليٌ مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنه لا نبي بعدي) ومن يتأمل في هذا النص، ويتفهَّمه جيداً بعيداً عن حالة العصبية، والنزعة المذهبية، والعداوات، وردود الأفعال، والخصام المذهبي وما شابه، من يتأمل هذا النص بإنصاف وبتفهم يدرك المقام العظيم للإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- لم يكن فقط مجرد صحابي كغيره من الصحابة، أو مجرد مؤمن كغيره من المؤمنين، الله سمّاه في كتابه (صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) صالح المؤمنين، ورد في القرآن الكريم عندما قال، وهو يحكي عن الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} [التحريم : 4] فكان صالح المؤمنين هو الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ-.

الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- بهذه المنزلة العظيمة، ولم يكن مغموراً بأوساط المؤمنين، يعرفون فضله، يعرفون مقامه، ومن عايشوا الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- سمعوا منه ما قاله عن علي في مقامات مشهودة، ومواقف كذلك معروفة، عرفوا عن علي ما قاله فيه رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- وعرفوا عن علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- فضله، جهاده، علمه، فكان رجلاً متميزاً، لم يكن مغموراً، كان متميزاً في مساره الإيماني ومنذ البداية، منذ البداية الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- عندما استُهدف وهو بهذا المستوى، وله الدور المهم في الحفاظ على مسار الإسلام المحمدي الأصيل، ليبقى له أصالته، ليبقى له نقاؤه، ليبقى له حضوره في واقع الحياة، وتأثيره، وسيادته في واقع المسلمين، ليحافظ على هذا الإسلام وليربي الأمة على قيمه، وأخلاقه، وليُرَسِّخ مبادئه في نفوس أبناء الأمة، عندما استُهدف وهو بهذه الأهمية، وهو بهذا المستوى، وله هذا الدور المهم جدًّا، كان الاستهداف له استهدافاً للإسلام في مساره الصحيح، استهدافاً للإسلام في مسار الحق، ومسار العدل، ومسار الأصالة والنقاء، من القوى التي انقلبت على الإسلام في مفاهيمه، في قيمه، في مبادئه المهمة، وأرادت الإسلام شكلاً يخدمها ولا تخدمه، وتَطَوِّعه ولا تتطوَّع له، وأرادت الإسلام زيفاً تتغنى به وتستغل بعض شعائره لتثبيت سلطتها، وإحكام قبضتها، وتركيز هيمنتها، وإحكام سيطرتها على الأمة في كل واقع الأمة.

القوى الانقلابية ونزعتها الاستبدادية

القوى الانقلابية على قيم الإسلام، ومبادئ الإسلام، النازعة للاستبداد، الجموحة التي تريد الظلم والهيمنة والاستبداد، والتجرد من قيم الإسلام العظمى، وفي مقدمتها العدل، والحق، والخير، ومكارم الأخلاق، وأرادت أن تتحرر من كل تلك المبادئ والقيم التي ترى فيها قيوداً تحد من نزعتها، وتحُدُّ من هيمنتها، وتَحُدُّد مما تعتبره مصالح لها.

القوى الانقلابية قامت بتنفيذ وتخطيط تلك الجريمة الكبرى التي كانت جريمةً بحق الإسلام، وجريمةً بحق الأمة، بحق الأمة ولم تكن فقط جريمةً بحق شخص عليٍ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- تلك القوى التي كانت ضمن توليفةٍ عجيبة، توليفةٍ بقيت ولا زالت الآن تعاني الأمة منها الأمَرَّين، توليفة سياسية، ثقافية، فكرية، ضالة، منحرفة، قوّة باسم الدين تتحرك، بنزعة فيها الغلو، والإفراط، والتجاوز والغباء، وتتحرك تحت عنوان الدين تكفيراً، ومحاولةً لوصم المؤمنين بأنهم الكافرون، ثم جهة أخرى سياسية توظِّف تلك القوى التكفيرية، التي لها توَجُّه تكفيري مرتبط بمصالح مادية، فتوظَّف تلك القوة التكفيرية العمياء، الصماء، التي لا تبصر الحق، ولا تفهمه، تتحرك وتُحرَّك من تلك القوى النازعة نحو السلطة، والاستبداد، والطامعة للسيطرة على الأمة ومقدراتها، والعاشقة للحكم والمنصب، فنفّذت تلك القوى بتوليفتها السياسية والثقافية الضالة المنحرفة، جريمتها الكبرى بحق الأمة، فجلبت الشقاء وارتكب جريمةً كبيرةً، بقيت لها تداعياتها.

كان الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- يُمثِّل عقبةً كبيرةً أمام تلك القوى الانقلابية، التي تريد أن تسيطر على الأمة، وأن تحقق لنفسها الهيمنة والسلطة، بدافع النزعة الاستبدادية، بدافع المصلحة الفردية، بدافع الأطماع، وللأسف في مرحلة أصبح واقع الأمة الإسلامية واقعاً كبيراً، أمة كبيرة تُمثِّل القوة الكبرى في الأرض، والقوة التي يهيئ لها في الواقع العام وفي الظرف ذاك أن تنتصر في دينها، بقيمها، وأخلاقها وتعممها في ربوع الأرض، لتؤسس لمستقبلٍ جديدٍ في تاريخ البشرية بكله، وفي بقاع الأرض بأجمعها، لكن للأسف حَذْفُ مسار الأمة أبعد الأمة عن مسئوليتها الكبرى وعن رسالتها المهمة، وعن دورها العظيم المقدس، الأمة التي يراد لها أن تكون أمة الخير، وأمة الحق، وأمة العدل، وأن تنشر رسالة الله بما في رسالة الله من قيم، ومبادئ، وأخلاق، تُصلح واقع البشرية، وتُصلح واقع الإنسان، وتبني الحياة بناءً صحيحاً سليماً، تتيح للإنسان أن يؤدي دوره كمستخلفٍ في الأرض، بأرقى ما يمكن، وبأسمى ما يمكن، من خلال ارتكازه في انطلاقته الحضارية، واستخلافه في الأرض على تلك القيم، وتلك المبادئ العظيمة.

هذه الأمة بمسئوليتها الكبرى، برسالتها، عندما استحوذ عليها الأشرار، الانقلابيون، على الرسالة الإلهية، على مفاهيمها العظيمة، على مبادئها المثلى، ليس فقط حذفوا مسار الأمة عن مسئوليتها بما نتج عن ذلك من تداعيات سلبية في واقع الأمم الأخرى والشعوب الأخرى، بل حتى على مستوى الأمة نفسها، لم تحتفظ الأمة ولو على مستوى واقعها الداخلي، وهي الأمة التي أخرجت للناس.. للناس، لنشر الحق والخير والعدل، للناس ولتنقذ البشرية، وتَعتِقَها من هيمنة الطاغوت، لم تحتفظ ولو على مستوى نفسها بتلك القيم لتكون هي الأساس في بناء واقعها، والأساس في حكم واقعها، والأساس في ترتيب وضعها، والأساس في مسار حياتها، ولو على هذا المستوى.

تغييب الإمام علي واستهدافه.. لماذا؟

ولأن الإمام علياً -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- بما كان عليه من مقامٍ عظيم، ومن إيمانٍ عالٍ، كان هو رجل المسئولية، كان هو الكفؤ لأن يقود الأمة في المسار الذي أراده الله لها، وأراده الرسول لها، مسار العمل العظيم، المبادئ الكبيرة، مسار الحق، والعدل، والخير، والمسار المقدس بكل ما يمثل الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- من ثِقْل، وتأثير، وفاعلية، وكفاءة كبيرة للسير بالأمة في هذا المسار العظيم، كانت ترى فيه القوى الانقلابية عقبةً كبيرة، فتحركت ضد الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- تحركت ضده بكل ما تستطيع على المستوى الثقافي والفكري، الاستهداف الإعلامي، ثم التصفية الجسدية، حروب إلى غير ذلك، الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- كما استهدف ليقتل، استهدف ليشوَّه، استهدف للحط من مكانته، ومقامه، وما نرى عليه الواقع العام لدى كثير من الحكومات والدول والقوى، عندما نرى كيف تعمد دائماً إلى تغييب هذا المقام لعليٍ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- هذا كله إنما هو أثر من ذلك الاستهداف، أثر من ذلك الاستهداف.! استهداف استمر باستمرارية أثر عليٍ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- وباستمرارية فاعلية الدور الذي قام به علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- في الحفاظ على الحق ليبقى له حضورٌ ووجود حتى وإن حورب، حتى وإن حوصر، حتى وإن تكاثر الباطل من حوله.

الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- قال عنه الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- أنه سيقاتل على تأويل القرآن (إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله) فحينما سألوه من.؟ قال: خاصف النعل. وكان الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- يخصف نعل رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- حين قال هذه المقولة. (يقاتل على تأويل القرآن) يحافظ على المفاهيم، المفاهيم الناصعة، المفاهيم الصحيحة للقرآن الكريم، وللإسلام العظيم، لتبقى هي القائمة في واقع الأمة، والحاضرة في واقع الأمة، والمُعتَمَدَة في رؤيتها وفكرها، وثقافتها، وتوجهها؛ لأنه عندما تحرَّف مفاهيم القرآن، يحرَّف الإسلام، في كثيرٍ من معالمه، في كثيرٍ من مبادئه، في كثيرٍ من أسسه، فيبقى من الإسلام شكلاً لا لب له، ويبقى منه زيفاً بعيداً عن الواقع، فيُظلم واقع الأمة التي تنتمي إلى الإسلام، فلا نرى عظمة الإسلام في واقعها، ولا أثر الإسلام في حياتها، يصبح الإسلام ديناً لا أثر له في الواقع، لا أثر له في الحياة، فالمنتمون إليه لا يعتزون به..! لماذا.؟ لأنه حُرِّف. حينما يُحرَّف الإسلام، حينما يُذهب من الإسلام بأسسه المثلى ذات الأهمية الكبيرة، حينما تحرَّف مفاهيمه، يبقى منه شكلاً لا تأثير له في واقع الحياة، في إحقاق حق، ولا في إبطال باطل، ولا في دفع فساد، ولا في ترسيخ دعائم الخير والصلاح، وهذا ما استهدف عليٌ لأجله، القوى الانقلابية رأت في عليٍ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- رأت فيه عقبةً أمام مساعيها للسيطرة على الأمة، لتحريف مفاهيم الإسلام بما يتناسب مع ما تريده هي، بما يهيئ لها ويمكِّنها من السيطرة على واقع الأمة؛ لأن هناك في الإسلام، وفي مفاهيم القرآن، وفي توجيهات الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- بل في لُبِّ الدين الإسلامي ما يراه الطغاة والمجرمون والفاسدون والمستبدون عقبةً كبيرةً أمامهم.

كيف وإلى أي حد وصلوا في تحريف مبادئ الإسلام؟!

فإذا كان الإسلام وهو كذلك ديناً قائماً على أساس العدل، من مهامه الأساسية للبشرية إقامة العدل في الواقع، هذه مهمة أساسية لكل رسالات الله، لكل رسالات الله جاء بها كل الأنبياء ودعوا إليها، وعملوا على إقامتها وإحياءها {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] بالقسط. فإقامة العدل عندما يستشعرها كل مسلم، مسئوليةً أساسية، وقاعدةً أساسيةً في بنيان إسلامه، حينها يرى أولئك النازون على ولاية أمر الأمة، المستبدون الطامعون، يرون في مفهومٍ كهذا يترسخ في أبناء الأمة أنه يمثل خطورةً كبيرةً عليهم، وعائقاً أمام هيمنتهم وسيطرتهم وتسلّطهم، فغيروا مفاهيم الإسلام لدرجةٍ عجيبة، لدرجة أن جعلوا من المفاهيم المقلوبة، المغلوطة، المفتراة على الله وعلى رسوله، والتي تُمثِّل مسخاً للأمة أن طاعة الظالمين الجائرين المستبدين المفسدين الذين لا يهتدون بهدي ولا يستنون بسنة، أن طاعتهم والرضوخ لهم والاستسلام لهم، والصمت عن فسادهم وظلمهم وطغيانهم وإجرامهم عبادة..! عبادة من أعظم العبادات، وواجبٌ محتومٌ على كل مسلم، هكذا تُحرَّف وتقلب المفاهيم.

 ولهذا كان وجود الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- يُمثِّل عقبةً كبيرةً أمامهم، وكلما تهيأت له الأمور أكثر لبناء الدولة الإسلامية بشكلها الصحيح على الأسس الصحيحة والسليمة، ومن ثَمَّ تربية الأمة، وترسيخ مفاهيم الإسلام الحق، الدين الحق، مفاهيم القرآن الأصلية الصحيحة في أبناء الأمة، كانوا يرون في ذلك خطراً كبيراً فعملوا على إعاقته وإشغاله ومحاربته واستهدافه طوال فترة حكمه، من ثَمَّ عمدوا إلى استهدافه، وتصفيته جسدياً، الأداة التي اعتمدوا عليها لتنفيذ تلك الجريمة الكبرى، كانت أيضاً صناعة وتوليفة كما قلنا في بداية الكلام توليفة عجيبة جدًّا، فئة تكفيرية.. تكفيرية، عندها نزعة دينية قائمة على أساس من العمى، قائمة على العمى، على الغباء، على الجهل، على الحُمق، نزعة دينية جاهلة.. جاهلة، وتلك الفئة التكفيرية كانت جاهزة لتكون أداةً للانقلابيين على مبادئ الإسلام وقيمه العظمى، فحُرَّكت تلك الأداة وبقيت في واقع الأمة، وهي الآن في واقع الأمة أداةً للقوى المحاربة للإسلام والمستهدفة للمسلمين، أداة شرّ، أداة سوء، أداة جريمة، أداة فُرقة، تُشَغَّل في واقع الأمة في مواجهة الحق، تُشَغَّل. نرى الآن التكفيريين المتحالفين مع أمريكا وإسرائيل، امتداداً لتلك التوليفة السلبية.

الإمام علي رمز الأمة الخالد

عندما نتحدث عن الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- بمقامه العظيم، الإمام عليٌ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- ليس فقط رمزاً عادياً نتحدث عنه، فهو رجل عصره، أو رجل زمنه.. |لا| هو رمزٌ للأمة الإسلامية، ويبقى.. يبقى رمزاً للأمة الإسلامية، ولكل مسلم إلى قيام الساعة، الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- قال نصاً مهماً جدًّا عن الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- قال فيما اشتهر عنه لدى كل فئات الأمة وطوائف الأمة المهمة، وورد في تراثها وفي كتبها المهمة (لا يحب علياً إلاّ مؤمن، ولا يُبغضه إلاّ منافق) لا يحب علياً إلاّ مؤمن. هذا نص مهم جدًّا وله دلالات ذات أهمية كبيرة، أولاً هو شهادةٌ بكمال إيمان علي، بكمال إيمانه ومستواه الإيماني العظيم (لا يحب علياً إلا مؤمن) فعليٌ صالح المؤمنين، وعظيم المؤمنين، وسابق المؤمنين، في مقامه الإيماني العظيم، لا يمكن أن يحبه إلا مؤمن، والإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- قال أيضاً، فيما روي عنه: (والذي فلق الحَبَّة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي إليّ، ألاّ يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق) هذا النص الذي هو شهادةٌ بكمال إيمان علي، ورمزيته لكل مؤمن، رمز لكل مؤمن، ولكل مؤمن ارتباط بالإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- قائمٌ على أساس المحبة، المحبة الصادقة، المحبة التي فيها التقاءٌ بعلي في مقام العمل، التقاءٌ بعليٍ في مقام القيم، التقاءٌ بعليٍ في المسار الإيماني بكله (لا يحب علياً إلا مؤمن) لأن المؤمن هو يحب كل تلك القيم، ويرتبط بكل تلك المبادئ التي جسَّدها عليٌ على أرقى مستوى، والتي كان هو السبَّاق إليها، وتحرك على أساسها في واقع الحياة على أرقى مستوى، الإنسان المؤمن ارتباطه بعليٍ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- ارتباط بما كان يُمثِّله علي، وما كان عليه علي من تلك القيم، من تلك المبادئ، في ذلك المسار العملي، الذي عليه الإنسان المؤمن، فالإنسان المؤمن هو في الطريق يرى أمامه في نفس الطريق، في نفس المسار، يرى أمامه عَلماً، شامخاً، بارزاً، عظيماً، جسَّد قيم الإيمان على أرقى مستوى، وتَحرَّك بأخلاق الإسلام، ومبادئه على أرقى مستوى، فيحب علياً، الإنسان المؤمن بمحبته لتلك القيم، بارتباطه بتلك المبادئ، يرى نفسه مرتبطاً بعليٍ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- فلا يتحقق الحب الصادق وليس الادعاء، كم من المدَّعين لمحبة الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- وهم يختلفون مع الإمام علي في كثير من الأمور، البعض يعتبر نفسه من شيعة الإمام علي، ومن محبي الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- لكنه مجرد ادعاء لأنه لا يلتقي مع عليٍ، لا في الروحية، ولا في الموقف، ولا في العمل، ولا في تلك الأخلاق التي كان عليها عليٌ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- بل يختلف مع الإمام علي في كثير من الأمور.

آية الحب والولاء للإمام علي

أي التقاء يلتقي مع علي من لا يحمل ذرَّةً من الشعور بالمسئولية، ولا يحمل الروحية الجهادية، ولا يعيش الحُرقة والهمّ على واقع الأمة وما تعانيه من الظلم والاضطهاد، كيف مدى انسجامه مع علي، وكيف سيكون موقف علي منه أصلاً، فلا يلتقي مع علي، المؤمن يجمعه بعليٍ إيمانه الصادق، بقيمه الأصيلة والصادقة، بروحيته العالية، بالمسئولية، بالهمّ، بالتحرك الجاد والصادق مع الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- عليٌ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- لا يحبه إلاّ مؤمن، شهادة وعلامة فارقة؛ لأنه هناك صناعة للزَّيف باسم الإيمان، وهناك الكثير من الناس يتحركون باسم الإيمان، وتحت عناوين إيمانية.! ألم يقل الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة : 8] من يقول، من يتحرك تحت عنوانٍ إيماني، يدّعي الإيمان، ويأخذ من الإسلام بشكليات معينة، وشعائر معينة محدودة لكنه لا يأخذ شيئاً من لُبِّ الإسلام، ولا من أساسيات الإسلام التي تصطدم بخط الجور والظلم والكفر والطاغوت والفساد، هذا الزَّيف لدى الزَّائفين الذين يتحركون تحت عناوين إيمانية، وعناوين دينية زائفة، مكتفين بالقشور وتاركين اللُّب، ومكتفين بالشكليات وتاركين الأساس، هؤلاء لا يلتقون مع علي، ولا ينسجمون مع الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- ولا يجدون أنفسهم في نفس الطريق والخط والموقف والاتجاه، بل يرون أنفسهم في اتجاه وعليٌ في اتجاه آخر، علامة فارقة وعلامة مهمة، وسهله.. سهلة للتفريق والتمييز والتقليب.

(لا يحب علياً) وأكرر المحبة الصادقة (إلاّ مؤمن) فهي علامة فارقة يتَّضح بها الإنسان المؤمن الصادق في إيمانه، سيكون محباً لعلي، ومحبةً حقيقية، ينشأ من خلالها الارتباط الوثيق في خط الإيمان، ومسار الإيمان، وطريق الإيمان، وقِيَم الإيمان، والموقف الإيماني (ولا يُبغضه إلاّ منافق) لا يُبغض علياً إلاّ منافق، ما الذي يمكن أن يدفع أي إنسان لبغض علي.؟ وكره علي.؟ والاستياء من علي.؟ هل كان عليٌ فيما كان عليه من قيم ومبادئ وأخلاق، وفيما يقول، وفيما يعمل، هل كان في واقعه شيءٌ في واقع الإنسان يستاء بمبرر.؟ وعلى أساسٍ صحيح.؟ |لا| كان عليٌ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- جسَّد في واقع حياته، وفي تحركه في الحياة قيم الإيمان والإسلام على أرقى مستوى، وكان مع القرآن والقرآن معه، وكان مع الحق والحق معه، فما الذي يجعل الإنسان يستاء من علي.؟ ويكره علياً.؟ ويُبغض عليا.؟ ويناوئه.؟ ويتحرك ضد الإمام علي بأي أسلوب ولو في مسعى للحط من مكانته، والتقليل من قدره، والتصغير من مقامه، والحط من منزلته.

النفاق هو النفاق، النفاق هو الذي يجعل البعض يصطدمون بعلي ولا ينسجمون معه بحال، النفاق هو الذي حرك البعض في عصره مبغضين له، مناوئين له، مستهدفين له، وعمدوا على القضاء عليه، ومن بعد عصره كذلك بقي على مرِّ التاريخ وإلى زمننا هذا من هو مبغض لعلي، ومستاء من علي، ويمتعض ويتألم، ويغضب، ويَنفُر، عندما يسمعك تتحدث عن علي، ولا يرغب أصلاً أن يكون هناك أي حديث عن علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- لا يعجبه.! يستاء.! لماذا.؟. منافق. (ولا يبغضه إلا منافق) المنافق يحمل في قلبه كل الاستياء من علي، الاستياء من علي بما كان عليه عليٌ من مواقف، بما كان له من دورٍ متميزٍ وعظيم في إقامة الإسلام، وفي مواجهة قوى الكفر أولاً، وقوى النفاق العامدة إلى مسخ هوية الإسلام وتحريف مفاهيمه ثانياً، ولا يزال المنافقون والمستبدون والطغاة والمجرمون وكل الفئات الضالة المنحرفة لا تزال ترى في عليٍ خطراً عليها حتى الآن، خطراً في فِكره، ثقافته، أخلاقه، قيمه، سيرته، وترى أن تأثُّر الأمة به يُمثِّل خطورةً عليها، ولذلك نرى تغييباً ومحاربة كبيرة لأن يكون لعليٍ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- ما يستحق من المقام والذكر في سيرته، في جهاده، في إيمانه، كرمزٍ عظيمٍ من رموز الإسلام، سواءً في المناهج الدراسية في الجامعات، أو من خلال الأنشطة التعليمية والتثقيفية عند الكثير.. عند الكثير…! محاربة لذلك.! محاربة. وسعي لتغييب ذكره، وتغييب أي شيء من مناقبه وفضائله، وسيرته، وجهاده، ومساره الإيماني منذ بدايته حتى استشهاده، محاربة وسعي لتغييب ذلك كله.

الإمام علي قدم الشهادة على عظمة الإسلام

الإمام عليٌ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- وهو الذي (لا يحبه إلاّ مؤمن) في مساره الإيماني كان مساراً متميزاً منذ بدايته، فهو كان السابق إلى الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- بالإيمان، قبل غيره من أبناء الأمة، أول المؤمنين إيماناً وإسلاماً، بُعث رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- يوم الإثنين، وأسلم عليٌ يوم الثلاثاء، ولم يسبق إيمانه أي شرك، ولا انحراف في عبادة غير الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- ولذلك من ما يقال عن الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- تكريماً وتشريفاً واعترافاً بذلك أن الناس يقولون -كرّم الله وجهه- كرّم الله وجهه؛ لأنه لم يسجد لصنمٍ قط على العكس من غيره، بقية الصحابة أسلموا بعد أن كانوا في حال شرك، عابدين للأصنام، البعض على مدى أربعين عاماً كان يعبد الأصنام، وكان منغمساً في أحوال الجاهلية بكل رذائلها ومفاسدها، لكن الإمام علياً -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- كان واقعه مختلفاً تماماً، كان واقعه متميزاً بسابقته في الإيمان، السابقة التي سبقها الطُهر والاستقامة والبُعد عن دنس العبادة لغير الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- حظي الإمام علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- بتربية رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- منذ طفولته.. منذ طفولته. فربّاه الرسول أكرم تربية وأحسن تربية وعلمه مكارم الأخلاق، وهو مهيئٌ بفطرته وبما أعطاه الله من المؤهلات ليكون نِعم المتلقي ونِعم المتربي، واستمر الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- في تربيته والاهتمام به والعناية به في مرحلة الطفولة وفيما تبقى من مرحلة حياته مع رسول الله حتى وفاة رسول الله، على ارتباطٍ وثيقٍ، وخصوصيةٍ لا مثيل لها فيما يتعلق بالآخرين. فكان أخص الناس برسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- ملازمةً، وعنايةً، وتربيةً، وإعداداً، وتعليماً.

وكانت كل جهود رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- في تربية تلميذه هذا الرجل العظيم، وفي إعداده وفي بنائه تتجلى وتتضح في الواقع العملي، فتبرز في علي -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- مكارم الأخلاق، والصفات العظيمة الإيمانية، ويتبين له في الواقع العملي الدور المميز في كل مجالات الإيمان، إن أتينا إلى الجهاد في سبيل الله فهو كان رجل التحدّيات والمواقف الصعبة، والرجل الفدائي في الإسلام، والثابت حين ينهزم الآخرون، والصامد أمام الزلازل والأهوال، والأحداث الجسام، كانت تتجلى فيه تربية الرسول، وأثر تربية الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- بوضوح، لم تذهب جهود النبي سُداً في اهتمامه به وتربيته له، فقدَّم الشهادة على عظمة الإسلام، وعظمة القرآن، وعظمة النبي -صلوات الله عليه وعلى آله- فيما تجلّى في واقعه، في أخلاقه، في أعماله، في مواقفه، في حكمته، في علمه، قدّم الشهادة على عظمة الإسلام والقرآن، وعظمة الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله-.

في مقام الإحسان كان رجل الإحسان والرأفة والعطف والرحمة، كما كان في مقامات التصدي للمجرمين والكافرين رجل البأس والشجاعة والإقدام والثبات الذي لا يُماثَل لدى غيره من المؤمنين، كان أيضاً في مقام الرأفة والرحمة؛ العطوف، الحنون، الرحيم الذي يؤثر حتى على نفسه، ويقدِّم طعامه- حين لا يكون له حتى غيره- للمسكين واليتيم والأسير، وكان هو في كل مسارات الإيمان، ومقامات الإيمان الرجل الصادق مع الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- الرجل الوفيّ مع مبادئه ودينه، الذي لم يتغير ولم يتبدل ولم يساوم في دينه.

وحين آل إليه آمر الأمة أرسى دعائم الدولة الإسلامية على أسسٍ من العدل، وواجه مشاكل كبيرة؛ لأنه أراد إقامة الدولة الإسلامية على دعائم من العدل خالصة، واجه مشاكل كبيرة، وحروباً كثيرة، ومعاناة كثيرة، فثبت ولم يساوم؛ لأنه لم يكن همُهُ فقط السلطة والوصول إلى المنصب، فلم تساوي نعله إلا أن يُقِيم حقاً أو يُبطل باطلاً كما قال هو -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ-.

لذلك نحن أيها الإخوة الأعزاء في هذا العصر، ونحن نعاني من الظالمين والجائرين والمفسدين، ونحن نعاني من حالة الزيف، والصناعة الغريبة للتكفيريين باسم الإيمان، ونحن نعاني من الحرب على مفاهيم الإسلام، يبقى الإمام عليٌ -عَلَـيْـهِ السَّـلَامُ- رمزاً عظيماً، وامتداداً يوصلنا بالنبي -صلوات الله عليه وعلى آله- يوصلنا بالقرآن، ويبقى حُبه علامةً فارقة يتبين بها المؤمن، وبغضه وصمة عارٍ ينكشف بها المنافق، لو لم يكن لنا من عليٍ إلا ذلك، فما بالك وهو مثّل امتداداً للخط الإسلامي الأصيل، بنقائه وأصالته، ومفاهيمه الصحيحة بعيداً عن الزيف، وبعيداً عن التحريف.

نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لأن نكون من المحبين لله ولرسوله وللإمام علي، ولأولياء الله، وأن يجيرنا الله من النفاق، ومن أولي النفاق، وأن يوفقنا لما يرضيه عنا.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته