موقع البينات | شبكة البينات خطابات ومحاضرات وحوارات ومقابلات السيد / عبدالملك بدرالدين الحوثي ..خطابات المناسبات..دروس رمضان ومتفرقات الهجرة عاشوراء اليمن

كلمة السيد بآخر المستجدات لـ 8 سبتمبر 2018م

آخر المستجدات الساسية والاقتصادية والعسكرية28ذي الحجة 1439هـ

أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهم برضاك عن أصحابه الأخيار المنتجبين، وعن سائر عبادك الصالحين والمجاهدين.

أيها الإخوة والأخوات، شعبنا اليمني المسلم العزيز:

السَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛؛؛

نتحدث اليوم عن بعض المستجدات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ونحاول- إن شاء الله- أن نختصر في الحديث، ونركِّز على أهم النقاط الواردة في هذا الشأن.

بدايةً نتحدث عن فشل انعقاد جولة المشاورات التي كان من المزمع انعقادها في جنيف، وكلنا نعلم وبوضوح أن السبب الرئيسي لفشل انعقاد هذه المشاورات هو: عرقلة تحالف العدوان لخروج وسفر الوفد الوطني من صنعاء باتجاه جنيف، نحن كنا منذ بداية العدوان وإلى اليوم، ونحن اليوم بعد أكثر من ثلاث سنوات، نحن في العام الرابع للعدوان، كنا طوال الفترة الماضية لا نمانع أبدًا من الحوار، ولا من السعي للوصول إلى حل سلمي لوقف هذا العدوان، وأساسًا موقفنا منذ بداية العدوان وإلى اليوم هو الدفاع: الدفاع عن النفس، الدفاع عن الأرض والعرض، الدفاع عن أنفسنا وكرامتنا وحريتنا واستقلالنا كشعبٍ يمنيٍ مسلم، فلسنا نحن- كشعبٍ يمني- من اتخذ القرار بالحرب، أو كان يريد هذه الحرب، أو يسعى لهذه الحرب، نحن كشعب يمني اعتدي علينا، وكنا مضطرين للدفاع عن أنفسنا عن أرضنا، عن عرضنا، عن كرامتنا، عن حريتنا، عن استقلالنا، وهذا مشروع ومكفول لنا بكل الاعتبارات، في الشرع السماوي والقانون الأرضي.

ومنذ ذلك اليوم نحن نؤكِّد على ضرورة وقف هذا العدوان، وأنه عدوان غير مبرر نهائيًا، ولا شرعية له نهائيًا، ولا يمتلك الحق أبدًا، لا ابتداءً، ولا انتهاءً، ولا فيما يفعل، ولا في اتخاذ قراره بشن هذا العدوان، فهو عدوانٌ أجنبيٌ من قِبَل تحالف العدوان، الدول المتحالفة في هذا العدوان، على رأسها النظام السعودي، تحت إشراف أمريكي، وتودد إلى إسرائيل، وعلى شعب وبلد مستقل هو اليمن.

وفي المراحل الماضية انعقدت جولات للمشاورات والمفاوضات في (جنيف)، وفي (بيل)، وفي (الكويت)، وجرت كذلك الكثير من الزيارات، سواءً من قبل مبعوثين من الأمم المتحدة، أو أطراف دولية أخرى جاءوا إلى صنعاء، والبعض إلى مسقط، وأخذ ورد كثير وكثير خلال المراحل الماضية، بل شهدت المرحلة الماضية حوارًا مباشرًا مع النظام السعودي ضمن جولات ما عرف- آنذاك- بجولة (ظهران الجنوب).

خلال هذه المراحل الماضية كان الطرف المعتدي، وهو تحالف العدوان، هو المتعنت، هو المصر على الحصول على ما يرغب بالحصول عليه من خلال الحرب بالطريقة الدبلوماسية، أو الاستمرار في خياره العدواني، والذي يريده هو: السيطرة التامة على شعبنا وعلى بلدنا تحت عناوين كثيرة، وأن يجرد هذا البلد من كل عناصر القوة والمنعة والاستقلال، ويتحكم بشكلٍ مطلقٍ وتام في قراره السياسي، وفي التحكم حتى بوضعه العسكري والأمني والاقتصادي تحت غطاء دبلوماسي، ولكن فشل في ذلك في المراحل الماضية، فاتجه إلى الاستمرار في الحرب والعدوان على هذا البلد.

اتجاه العدوان لإفشال المشاورات كان بإرادة مسبقة

ولذلك عندما نأتي لدراسة ما حصل مؤخرًا، وما شاب هذه العملية (التحضير لمشاورات في جنيف)، نجد أن اتجاه تحالف العدوان لإفشال هذه المشاورات كان- أصلًا- بنية متعمدة، وإرادة مسبقة، وتوجه فعلي لإفشال هذه المشاورات؛ لأن قوى العدوان ليست جادة ولا راغبة في الوصول إلى حلٍ سلميٍ منصفٍ وعادل، هي لا تريد ذلك، لا تقبل بأي حلول منصفة، ولا تسعى للوصول إلى حلول منصفة، لها أهداف واضحة، تحدثنا عنها، والواقع يشهد بما قلناه، وهذه الأهداف التي هي: السيطرة المباشرة على هذا البلد جغرافيًا، اقتصاديًا، سياسيًا، تحت كل العناوين، سيطرة شاملة مباشرة بكل ما تعنيه الكلمة، هي تسعى للوصول إلى تحقيق هذه الأهداف بالحرب والعدوان، أو تحت الغطاء الدبلوماسي، فعندما تلحظ أنها لا تصل إلى هذه النتيجة تحت الغطاء الدبلوماسي، تحوّل تعاطيها الدبلوماسي مع مساعي الأمم المتحدة، تحوّل تعاطيها هذا تعاطيًا مخادعًا بذر الرماد في العيون على حقيقة تعنتها وإصرارها على الاستمرار في عدوانها، وهذا الذي حصل تجاه المشاورات الأخيرة، وإلَّا فما الذي يبرر عرقلة وإعاقة سفر الوفد الوطني الذي لم يكن لديه أي شروط مسبقة، هو كان يريد فقط السفر بطريقة آمنة تضمن له الوصول إلى جنيف بأمان، والانتهاء من المشاورات، ثم العودة بأمان إلى صنعاء، هذا الذي كان يريده الوفد الوطني، ونريده في هذا البلد، تريده الجهات الرسمية ممثلة بالمجلس السياسي الأعلى، نريده كمكونات سياسية مشتركة لها موقف واضح ضد العدوان، وهذا ليس شرطًا، هذا هو حق طبيعي، وحق مكفول، وإلَّا فما الذي نفترضه؟ نفترض أن يخوض الوفد الوطني التجربة السابقة؟ تجربته السابقة في عام (2015) عندما سافر إلى جنيف نفسها، كيف تمت معاملته، وسعت دول تحالف العدوان إلى إذلاله، بل ربما كانت لها نيات أسوء، لولا أن جهودًا- آنذاك- بُذِلت، وإلَّا فهي عرقلته وأعاقته، وتمت عرقلته في جيبوتي أولًا، منع من العبور في أجواء دول معينة، واستهدف بأشكال متعددة، وكان يعيش حالة الخطر آنذاك، والإحساس بانعدام الأمان في ذلك السفر، الإحساس بالخطورة، وقصة طويلة وتفاصيل كثيرة يتحدث عنها الإخوة السياسيون والإعلاميون بالتفصيل، لا ندخل إلى تفاصيلها.

مجمل الأمر أن الوفد الوطني في الجولات السابقة، ومنها الجولة الأولى إلى جنيف تعرَّض للمخاطر المتنوعة، والإعاقات المتعددة، وصولًا إلى إعاقته لفترة طويلة عن العودة، ووصولًا إلى أن تطلب الأمم المتحدة- آنذاك- من الوفد الوطني نفسه أن يقدم هو مسبقًا التنازل عن أي تعويضات في حال استهدافه، مقابل أن تقوم الأمم المتحدة بإعادته إلى البلاد، وصولًا إلى هذه الدرجة، هل بعد هذه الدرجة شيء؟ أن يقال: [نحن لا يمكن لنا أن نعيدكم إلى اليمن، إلَّا إذا كتبتم تنازلًا للأمم المتحدة عن أي تعويضات تلزمها إذا استهدفتم]، يعني: المشكلة عندهم كان- آنذاك- أنهم لا يتحملوا التعويضات إذا أُبِيد الوفد الوطني واستهدفت الطائرة التي تقله، أهم شيء: لا يلزمهم تعويضات، فقط المشكلة هي التعويضات، أما حياة الوفد الوطني فمسألة ثانوية.

بعد انتهاء- أيضًا- جولة المشاورات في الكويت منع الوفد الوطني من العودة إلى الوطن ولأشهر، ولم نتمكن- آنذاك- من إعادته إلى البلاد إلَّا بعملية تبادل، بعد أن نجح الأمن القومي- في تلك المرحلة- في اعتقال جواسيس أمريكيين، وعلى ضوء ذلك تم التبادل، والمقايضة برحلة لعودة الوفد الوطني في مقابل إخراج أولئك الجواسيس الأمريكيين، وتسلميهم عبر سلطنة عمان، وأمكن- آنذاك- أن تأتي رحلة بالوفد الوطني.

فإذًا، نحن في هذه المرحلة الحسَّاسة، وأمام عدو يستبيح كل شيء، يستبيح قتل الأطفال، ما بالك بقتل أعضاء الوفد الوطني الذين هم كبار ورجال، هو يستهدف الأطفال عمدًا ويقتلهم، يستهدفهم وهو يعرف أنهم أطفال، ينكر في البداية، ثم يعترف في الأخير في بعضٍ من الجرائم، أما البعض، أو الكثير منها فيتجاهل ما يفعل، وكأنه يقتل مجرد دجاج أو حيوانات عادية جدًّا، يسترخص دماء الشعب اليمني للأسف.

مطلبنا لنقل الوفد الوطني كان حقًا طبيعيًا

فعلى كُلٍ، الوفد الوطني كان المطلوب أن يحظى بحقه في النقل الآمن عن طريق طيران دولة محايدة، وتحت ضمانة دولة محايدة تقوم بنقله إلى جنيف، سواءً سلطنة عمان كبلد شقيق، وليس جزءًا من تحالف العدوان على اليمن، أو أي دولة ليست شريكة في هذا العدوان، وتضمن أمن الوفد، وتنقل هذا الوفد لإجراء الحوار والمشاورات ثم العودة، نحن عرضنا أنه لا مانع لدينا أن تكون هذه الدولة: إما الصين، إما روسيا، بل حتى الكويت، مع أنها جزءٌ مما يعرف بدول تحالف العدوان، وإن كنَّا نصنِّف موقفها أنه أدنى بكثير من بعض المواقف، لكن حتى الكويت بحكم أنها رعت في الماضي مشاورات في بلدها، لم نمانع أن تكون الطائرة كويتية، بضمانة كويتية، أي طرف يقول: أنا مستعد أن أنقل الوفد على ضمانتي كبلد معين- مثلًا- محايد، ليس جزءًا من العدوان، أتحمل المسؤولية أنقل هذا الوفد وأعيده، هذا هو أقلّ القليل الذي كان مطلوبًا، وليس شرطًا؛ لأنه حق طبيعي جدًّا لوفد من وطن، من بلد، من شعب تُرتكب بحقه أبشع الجرائم، يستبيحه أعداؤه، يقتلون أطفاله ونساءه، يشنون عليه حربًا شاملة، يتحكمون في أجوائه، لا أجواؤه آمنة، ولا كثير من الأجواء، يعني: يمكن أن يتعرَّض للاستهداف في أي ظرف، في أي مرحلة من المراحل.

المسألة الثانية التي ركَّزت عليها دول العدوان، هي: منع اصطحاب أي جرحى أو مرضى مع الوفد الوطني، ونقلهم للعلاج في الخارج، سواءً إلى عمان، أو حتى إلى أوروبا، لم يقبلوا، مع أنهم عندما عارضوا في البداية نقل المرضى والجرحى المحتاجين إلى السفر لحالات حرجة، على مستوى الجرحى، البعض منهم من الجرحى المتضررين جدًّا من العدوان، وحالاتهم حالات استثنائية تحتاج إلى السفر إلى الخارج، كذلك المرضى حالات حرجة جدًّا تحتاج إلى السفر للعلاج في الخارج، أتت دول العدوان لتشترط هي- هذا شرطها هي- عدم اصطحاب أي مريض أو مريضة من أبناء هذا الشعب ممن يحتاج للعلاج في الخارج، أو جريح أو جريحة ممن يحتاج للعلاج في الخارج، لا كبار، ولا صغار، ولا رجال، ولا نساء، ولا نقل أي أحد! ليس لهم الحق أن يشترطوا هذا الشرط، اشتراطات مجحفة، ولا إنسانية، ولا قانونية، لا تستند لا إلى حق قانوني، ولا تحمل- أيضًا- ذرةً من المشاعر الإنسانية وإعطاء اعتبار في الحق الإنساني.

فهذا التعنت، وهذه الإعاقات التي حرصت فيها دول تحالف العدوان على أن يكون سفر الوفد محفوفًا بالمخاطر، غير مضمون الأمن والأمان، ولا العودة حتى، ويستند فقط إلى مجرد وعود كاذبة من عدوٍ غاشمٍ، ظالمٍ، مستهتر، مستبيح لكل الحرمات، فحرص بهذا إلى إعاقة سفر الوفد الوطني، وهذا كان أمرًا مقصودًا، هذا شيء واضح أنه كان أمرًا مقصودًا؛ لأنه لم يكن هناك من جدية مطلقة لدى تحالف العدوان للوصول إلى نتيجة من هذه المشاورات على الإطلاق، ولذلك لم يتجاوبوا في أن يحضر وفد سعودي، أو يحضر وفد إماراتي إلى جنيف، واكتفوا بإرسال مجموعة من خونة الوطن، وخونة الوطن من المعروف والمقطوع به أنهم لا يمتلكون القرار حتى في أنفسهم، حتى في شئونهم الشخصية والاعتيادية جدًّا، أين يذهب وأين يجيء؟ هذا يحتاج إلى قرار سعودي، أين يستقر، هل في عدن، أم في الرياض، أم في الإمارات، أم في مصر؟ أين يسكن؟ وهو أمر شخصي، يحتاج فيه إلى قرار وموافقة سعودية، أو إماراتية، هل يستقر بأسرته وعائلته في الإمارات لتكون بمثابة رهينة بيد الإماراتي، أم في عدن؟ أمر يخص الإماراتي، إذا كان أولئك الخونة من البلاد، إذا كانوا لا يمتلكون القرار في شئونهم الشخصية، ولا يستطيعون البت فيها إلَّا بما يريده السعودي، أو يريده الإماراتي، فكيف يمكن أن يذهبوا إلى هناك، وأن يخوضوا في قضايا رئيسة وفي مسائل مهمة للوصول إلى حلول لوقف هذا العدوان؟

عدم رغبة أمريكا في الحل.. لماذا؟

هذا العدوان يرتبط بشكلٍ مباشر بالسعودي والإماراتي، تحت إشراف أمريكي مباشر من جانب الأمريكي، والأمريكي بنفسه كان غير متفائل بخصوص نجاح هذه المشاورات، ولا يعلِّق الأمل على أن يكون لها أي حصيلة إيجابية، أو أي نتيجة إيجابية، وصدرت تصريحات من مسئولين أمريكيين تقلل من أهمية هذه المشاورات، ومن أهمية ما يمكن أن تخرج به هذه المشاورات؛ لأن الأمريكي نفسه هو غير راغب في وقف هذا العدوان، هو مستفيد من هذا العدوان، هذا العدوان استغله واستفاد منه بشكل كبير وهائل جدًّا، حتى أصبح مصدر دخل، ولربما لا يماثله أي مصدر دخل آخر على المستوى الاقتصادي، مليارات الدولارات اتجهت، هل هناك أي سلعة أمريكية تتجه إلى المنطقة العربية يمكن أن يحصل من خلالها على هذا القدر في غير ظروف العدوان هذه، وفي غير صفقات السلاح، وصفقات السياسة، وصفقات المواقف، وصفقات متنوعة بأشكال مختلفة، حصل في مقابلها على مئات المليارات من الدولارات، كل هذا من خلال هذا العدوان، من جانب السعودي، وهو الكثير الكثير الذي حصل عليه، ومن جانب الإماراتي كذلك، إضافة إلى الأجندة التي تنفِّذ له على الأرض، وهي تنطلق على أساس مؤامراته ومخططاته التي يعمل عليها منذ زمن، فالأمريكي المستفيد من هذا العدوان بكل أشكال الاستفادة: اقتصاديًا، وسياسيًا، وتنفيذًا لأجندته التدميرية في المنطقة، وتعزيزًا لسيطرته عبر أدواته تلك، هو غير راغب ولا حريص على وقف هذا العدوان، ولا على الوصول إلى حل سلمي.

يهم الأمريكي مسألة واحدة، ويحرص عليها بشكل كبير جدًّا: أن لا يلحق به عار هذا العدوان، وأن لا تحسب عليه الجرائم، أن يوفر الغطاء التام والكامل والشامل لهذا العدوان على بلدنا، وأن يشرف عليه بشكلٍ مباشر، وأن يكون له دور أساسي ومحوري في هذا العدوان ورئيسي جدًّا بكل ما تعنيه الكلمة، بحيث لولا ذلك الدور الأمريكي لم يكن هذا العدوان أصلًا، ومع ذلك تحسب الجرائم والكوارث والمآسي والفظائع على النظام السعودي، ومعه النظام الإماراتي، أما الأمريكي فيأتي بين الحين والآخر ليقدِّم نفسه على أنه راعٍ للسلام، ويحث جميع الأطراف للالتزام بالحل السلمي، ويقول ليس هناك إمكانية لأي حل عسكري في اليمن، وليس هناك خيار إلا الحل السياسي والسلمي، والحل السياسي هذا الذي يقول أنه لا يوجد بديل عنه يأتي هو ليعيقه- في كثيرٍ من الأحيان- عبر استمراره في توفير الغطاء اللازم لاستمرار هذا العدوان، وتأمين ما يعتمد عليه هذا العدوان من سلاح وخطط وإدارة عسكرية، يستمر في ذلك بكله، ويستمر- في مقابل ذلك- ما يحصل عليه من تدفق مئات المليارات إلى الخزانة الأمريكية، هذا الذي يحدث بالنسبة للجانب الأمريكي.

ففشل هذه المشاورات يعود إلى أنه لم يكن هناك من جدية لا للأمريكي، ولا البريطاني، ولا من معهما من دول الغرب، ولا من قِبَل الدول المباشرة في تنفيذ هذا العدوان: النظام السعودي في المقدِّمة، النظام الإماراتي إلى جانبه، ولكن هذا العمل يهدف إلى ذر الرماد في العيون، وتقديم العالم الغربي إلى أنه يدعو إلى السلام، بعد سلسلة هائلة من الجرائم المروِّعة والفظيعة الوحشية جدًّا، التي وصل صداها إلى مختلف أقطار الأرض، وآخرها جريمة قتل الأطفال في الحافلة في ضحيان.

عندما تكثر الجرائم وتكبر، ويصل صداها إلى أرجاء المعمورة، يتحرج الأمريكي أن يتلبس بعار هذه الجرائم، ومعه بعض الدول، وترتفع الأصوات في المجتمعات الأوروبية، ولدى بعض الساسة الأمريكيين, وبعض المنظمات، بضرورة وقف بيع السلاح إلى النظام السعودي والنظام الإماراتي، وحينها يحاول الأمريكي، يحاول البريطاني، كلٌ منهما يسعى إلى أن يقدِّم نفسه- من جديد- على أنه يبذل جهودًا في الأساس لوقف هذه الحرب، ولإيقاف هذا العدوان، ولكن- في واقع الحال- هو يسعى بكل جد إلى أن لا يكون هناك حل فعلي منصف وعادل، يترتب عليه وقف هذا العدوان.

منع الوفد الوطني من السفر.. التبريرات الزائفة

نحن نقول: التبريرات التي ارتبطت بمنع السفر للوفد الوطني إلى الخارج، كل تلك التبريرات لا مصداقية لها، ليست مبررًا في الواقع، لا اشتراط دول العدوان لمنع نقل جرحى أو مرضى إلى الخارج، حتى إلى أوروبا بشكل مباشر، وليس عبر عمان، ولا مسألة أن يسافر الوفد الوطني عن طريق وسيط آخر بطريقة آمنة، سواءً من الأطراف الإقليمية، أو الدولية غير المشتركة بشكلٍ مباشر في العدوان، وحصل في الماضي رحلات عبر عمان، وحصل في الماضي- أيضًا- ضمانات قدِّمت، فلماذا هذه المرة لا قدِّمت ضمانات، ولا توفرت رحلات عبر دول غير مشتركة بشكلٍ مباشر في العدوان؟

الهدف هو- ما ذكرناه- : الاستمرار في العدوان، وذر الرماد بعد سلسلة كبيرة من الجرائم، والاستمرار في العدوان، والتصعيد العسكري والاقتصادي وعلى كل المستويات، وتحت عنوان أنه لم يكن هناك من فرصة لإجراء جولة مشاورات، فنحن نؤكِّد أننا لم نمانع لا في سفر الوفد، كان المقصود أن يسافر فقط بطريقة آمنة، وهذا حق طبيعي ومشروع، وأن كل الإعاقات، كل ما اعتمدت عليه دول التحالف في هذا العدوان الإجرامي الوحشي لمنع سفر الوفد الوطني كلها لا مبرر لها، لا سعيهم للضغط أن يكتفي بالسفر عبر طائرات الأمم المتحدة، وهذه هي طريقة غير آمنة بتاتًا بتاتًا، الأمم المتحدة نفسها تتعرض طائراتها للاختطاف من الطيران الحربي المعادي، والإجبار لطائراتها على النزول في مطارات السعودية، وبطريقة مهينة ومذلة، والأمم المتحدة نفسها في جولة جنيف الأولى عجزت- أصلًا- عن السفر بطريقة آمنة وسلسة ومن دون عراقيل بالوفد الوطني، كانت ترغم أن تنزل، أن تتأخر، أن تذهب، أن لا تمر بتلك الأجواء أو تلك، عجزت عن إعادة الوفد الوطني، كما قلنا طلبت تقديم تنازل، أن يتنازلوا عن التعويضات، يعني: أن يتنازلوا عن حياتهم وعن أرواحهم، فالأمم المتحدة التي لا تستطيع حماية نفسها، حماية رحلاتها، وتجبر طائراتها على النزول في المطارات السعودية، كيف تقدر على أن تؤمِّن الوفد الوطني؟ والتفاصيل في هذا الجانب تطول- وكما قلنا- يمكن أن يستكملها السياسيون والإعلاميون الذين سيتحدثون في هذا الشأن بلا شك.

الوضع الاقتصادي ووسائل العدوان لاستهدافه

أنتقل في الحديث إلى المحور الثاني، وهو فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي: في الآونة الأخيرة تزايدت عمليات الاستهداف للعملة الوطنية، وتضررت العملة الوطنية إلى حد كبير، وفقدت نسبة كبيرة من قيمتها؛ مما تسبب بارتفاع الأسعار، وحتى في المواد الأساسية: في القمح، والاحتياجات الضرورية للحياة، هذا لم يأتِ من عبث ولا من فراغ، هذا كان- منذ البداية- جزاءً رئيسيًا من الحرب على بلدنا، ومن الاستهداف الظالم لشعبنا اليمني المسلم العزيز المظلوم.

وفي المراحل الماضية كان هناك كثير من الإجراءات، إجراءات كثيرة نفَّذتها دول تحالف العدوان بهدف الإضرار باقتصادنا المحلي، دعك عن القصف المباشر الذي ركَّز على كثير من المنشآت الاقتصادية، والاستهداف بشكل كبير لمنشآت متنوعة ومتعددة، من مثل: مطارات، أو ميناء، أو متاجر، أو أسواق، أو غير ذلك… لكن كسياسات وكخطط حرصت دول تحالف العدوان على احتلال كل المناطق التي يتوفر فيها البترول (النفط)، وكذلك الغاز، احتلال مأرب، واحتلال شبوة، واحتلال حضرموت، والسيطرة بشكل مباشر على كل المنشآت والآبار النفطية والغازية في البلاد، حرصت على احتلال معظم المنافذ البرية، أصبحت- في واقع الحال- المنافذ البرية، سواءً في الحدود مع السعودية، أو الحدود مع عمان، كلٌ منها تحت احتلال مباشر للعدوان، وسيطرة مباشرة من قبل تحالف العدوان، وبالتالي التحكم على ما يأتي إلى البلاد ضمن سياسة الحصار الجائر.

كذلك السيطرة المباشرة على الأجواء ومنع أي رحلات اقتصادية، أو غير اقتصادية، حتى الرحلات ذات الطابع الإنساني لنقل المرضى والجرحى، والمسافرين العاديين الذين كانوا في البداية يسافرون في رحلات إلى مصر وإلى الأردن، وكلاهما جزءٌ من التحالف في العدوان على اليمن، حتى هذا في الأخير منع، فعطلت حركة المطارات، وسيطر الأعداء على المنافذ، وتحكموا بالنقل البحري، سيطروا على عددٍ من الموانئ، وتحكموا فيما يصل إلى ميناء الحديدة، لا يصل إلا عبر شروط، وعبر إجراءات، وعبر تفتيش، وعبر ترخيص، وأشياء محدودة تأتي، والكثير لا يأتي.

ثم اتجهوا للتآمر على البنك المركزي، فعطَّلوا دور البنك المركزي، من خلال تجميد احتياطاته في الخارج، البنك المركزي اليمني كان له احتياطي من النقد من العملة الصعبة (من الدولار) في الخارج، في أمريكا نفسها، جُمِّد هذا الاحتياطي، ومنع البنك من التصرف فيه، نقلت عمليات البنك المركزي، وصلاحياته- في التعامل مع الخارج والتنسيق مع الخارج- إلى عدن، وباتت الدول الخارجية لا تتعامل مع البنك المركزي في صنعاء، وتتعامل مع نسخة أخرى من الموظَّفين غير الشرعيين، الذين يشتغلون وفق سياسات تدميرية في عدن، وعُطِّل التعامل مع البنك المركزي في صنعاء في بقية البلدان في كثيرٍ من الأمور.

عجز البنك المركزي في صنعاء عن تغطية الاحتياجات الاقتصادية والملحة للشعب اليمني، لصالح صفقات البيع والشراء بالنسبة للتجار بالنقد الأجنبي، بالعملة الصعبة (بالدولار)، عجز عن تغطية هذه المشتروات بالدولار من الاحتياطي الذي كان يمتلكه في الخارج، وتحوَّل اعتماد التجار في الحصول على الدولار من خلال المصارف والأسواق المحلية، وحتى من السوق السوداء، بمعنى: أن البنك المركزي لمَّا جُمِّدَ احتياطيه في الخارج، ولم يعد يحصل على العملة الصعبة (على الدولار) من خلال النفط والغاز الذي يسرق من قبل خونة الوطن، وتحت سيطرة دول تحالف العدوان، وتذهب مبالغ العملة الصعبة والدولار من إيراداته إلى بنوك في السعودية ودول أخرى، اتجه التجار للحصول على الدولار لشراء بضائعهم من الخارج إلى السوق السوداء وإلى المصارف.

حاولت الحكومة في صنعاء تقديم معالجات من خلال لجنة المدفوعات، وتبذل جهدًا كبيرًا في ذلك، وتواجه صعوبات كبيرة، وكثير من التجار لا يتعاونون بالشكل المطلوب مع لجنة المدفوعات التي حاولت أن تسعى لتوفير العملة (عملة الدولار) وتغطي احتياج التجار قدر الاستطاعة، ولكن تواجه صعوبات في الواقع، وصعوبات في مدى التعاون والتفاعل من بعض التجار.

خونة الوطن وسعيهم للإضرار بالشعب اليمني

النتيجة هي: أن هذا سبَّب- إلى حد كبير- في ارتفاع سعر الدولار أمام العملة الوطنية؛ ونتج عن ذلك ارتفاع أسعار المواد الأساسية، والبضائع بشكل عام، والمسؤول عن ذلك- بالدرجة الأولى- هو دول تحالف العدوان التي فعلت ذلك بقصد، تآمرها على البنك المركزي- منذ البداية- في الوقت الذي كان يعمل بالحياد ولمصلحة الوطن، وكنا نؤيِّد تحييد الاقتصاد؛ لأن مسألة الاقتصاد مسألة تتجه نتائج أضرارها إلى كل الشعب اليمني في كل المناطق، حتى في المناطق المحتلة، في المحافظات الجنوبية أو الشرقية، المواطن اليمني يتضرر من الانهيار الاقتصادي، ومن الأضرار الاقتصادية في أي محافظة، سواءً كان في عدن، أو في صنعاء، هو يتضرر حتى في عدن بأكثر مما يتضرر في صنعاء، وهذا واضح لمن يراقب طبيعة الأوضاع القائمة، ولكن لأن خونة الوطن لا يبالون أساسًا بالإنسان اليمني، وهم باعوا البلاد، وباعوا الشعب اليمني مقابل مناصب فخرية، وليست فخرًا، هي عار عليهم، إنما نقصد مناصب إسمية لا واقع لها، لم يعودوا إلا موظَّفين في خدمة دول العدوان، مقابل ذلك ومقابل أن يحصلوا على قليلٍ من الأموال باعوا كل شيء، باعوا الشعب اليمني، وباعوا المواطن اليمني، حتى المواطن الذي يؤيدهم ويصفق لهم في ما مضى، وينضوي تحت رايتهم، راية الخيانة والغدر، حتى هو يتآمرون عليه، ولا يبالون به، إنهم لا يبالون بالمواطنين اليمنيين لا في عدن، ولا في صنعاء، وعلى مستوى واحد من اللامبالاة بهذا الإنسان اليمني في حضرموت، أو في الحديدة، أو في مأرب، أو في عمران… في أي منطقة من المناطق، لا مشكلة عندهم في أن يتضرر الإنسان اليمني في لقمة عيشه، أن يتآمروا بما يلحق الضرر بكل إنسان يمني في أي بقعة من بقاع البلاد، في أي منطقة من المناطق في هذا الوطن، ليس عندهم مشكلة، لا مبالاة نهائيًا، وقدَّموا شاهدًا جليًا بذلك على أنهم ليسوا أبدًا لا في مقام ومستوى المسؤولية، ولا الأمانة، قومٌ لا يتصفون بالمسؤولية، ولا بالأمانة، ولا بالضمير، ولا حتى بالحرص على أن يكونوا ناجحين، يقولون عن أنفسهم أنهم الحكومة الشرعية، يتآمرون على البنك المركزي، ثم في الأخير يقدِّمون نموذجًا فاشلًا ما قدَّموه باسم البنك المركزي اليمني، وما قدَّموه باسم حكومة، وما قدَّموه تحت العنوان الاقتصادي، كلها نماذج فاشلة إلى أسوء مستوى، إلى الحضيض، ساقطة وفاشلة.

فقومٌ لم يحرصوا حتى على أن يقدِّموا أنفسهم كناجحين، ثم ليقولوا للشعب: [أنظروا نحن نجحنا في الاقتصاد، وها نحن منذ أن قمنا بتجميد دور البنك المركزي في صنعاء، والتآمر عليه، وتعطيل دوره، والاتفاق مع دول الخارج أن لا تتفاعل معه، وأن تجمد احتياطيه، انظروا كيف قدمنا نموذجًا ناجحًا وصالحًا…]، مع أنهم في ظاهر الحال يُقَدِّمون أنفسهم، ويُقَدَّمون من دول العدوان على أنهم يحظون بدعم هائل، كثير من الأموال يقال أنها قدِّمت إليهم، وباسم أنها تقدَّم للشعب اليمني، سواءً ما قدِّم باسم وديعة للبنك، أو ما يقدَّم باسم إعانات، أو دعم للاقتصاد… تحت كل العناوين، عناوين مردها إلى عنوان واحد: أن هذه مليارات الدولارات تقدم للشعب اليمني، ولدعم اقتصاد الشعب اليمني، فهم يستلمون ما يستلمونه، ويحظون بما يحظون به من مساندة من دول الخارج باسم الشعب اليمني، وإذا بالشعب اليمني يتضور جوعًا حتى في المناطق التي يحتلونها؛ لأنه- في واقع الحال- يسعى الأعداء إلى الانهيار في الوضع الاقتصادي، ليضعوا خيارًا وحيدًا أمام الشعب اليمني، ليقولوا للجميع، بلسان الحال وبلسان المقال: [من يريد لقمة العيش فليبع نفسه]، هذا هو الذي يريدون الوصول إليه، يريدون أن يقولوا للشعب اليمني بلسان الحال وبلسان المقال: [من يريد لقمة العيش فليبع نفسه]، إما يبيع نفسه كجندي مقاتل، ويهب حياته لهم، ويذهب إلى الميدان ليقاتل شعبه وبلده، ويُقتل مقابل أن يحصل على قليلٍ من المال، وإما أن يبيع نفسه كسياسي لتوفير الغطاء السياسي، وإما أن يبيع نفسه كإعلامي ليكون بوقًا إعلاميًا ينفخ فيه المعتدون بزورهم، ودجلهم، وأكاذيبهم، وبهتانهم، وافتراءاتهم، وشتائمهم، وإساءاتهم إلى هذا الشعب وأشراف وأحرار هذا الشعب، وإما بشكلٍ أو بآخر، بأشكال كثيرة، المقصود أن يبيع الإنسان نفسه منهم.

هذه سياسة متَّبعة لكسر إرادة الشعب اليمني، للإضرار به؛ لأنهم يسعون إلى الإضرار بالناس، قتلهم بكل الأشكال، إلحاق الضرر بهم بكل الوسائل، هذا ما يسعون له، وهذا ما يريدونه، هم في حالة حرب على الشعب اليمني، ومن غير المستبعد ولا الغريب في حقهم فيما هم عليه من وحشية وإجرام، وفيما هم عليه من تجرد من القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، أن يفعلوا أي شيء يرون فيه ضررًا ينال من هذا الشعب، ويلحق بهذا الشعب.

ثم نأتي إلى المراحل الماضية، حتى في جولة المشاورات والمفاوضات في الكويت، السفير الأمريكي تخاطب مع بعض الأخوة في الوفد الوطني، وقال لهم بكل صراحة: [إذا لم تقبلوا بما نطلبه منكم، فأعلموا أن العملة اليمنية ستسقط قيمتها حتى لا تكون بقيمة الحبر الذي كتب عليها]، يعني: يهدد بأن هذه الوسيلة ستستخدم ضدكم كشعب يمني لإجباركم على الاستسلام، ولإجباركم على الرضوخ، ولإجباركم على التسليم لبلدكم وشعبكم، والتنازل عن حريتكم واستقلالكم، وبيع كرامتكم، هذا الذي يُريده الأعداء.

فما يجري اليوم من استهداف للعملة، فيما جرى من أشكال متنوعة في الاستهداف للاقتصاد الوطني في التآمر على البنك المركزي بتعطيل دوره، ونجاح تأثيره في الخارج، وتجميد احتياطيه في الخارج، من سيطرة على مصادر الإيرادات من نفط وغاز ومنافذ، وتحكّم بما يدخل إلى البلاد من بضائع معينة على حساب بضائع أخرى، وحصار وإجراءات تضييق تصعِّب من وصول ما يصل من مواد أساسية، إجراءات روتينية، وأشياء كثيرة لها نتائج وانعكاسات على الأسعار في البلد، كل هذا جزء من العدوان على هذا الشعب، ويجب أن يكون الجميع فاهمًا لهذا.

وانظروا إلى واقع الحال في المناطق المحتلة، هل أن الوضع هناك بالشكل المطلوب على المستوى الاقتصادي؟ لا، وما يجري هناك هو شاهد يشهد على أن الخونة المتآمرين من أبناء هذا البلد باسم حكومة، أو بأي اسم آخر، لا شرعية لهم في ذلك، إنهم لا يبالون بالشعب اليمني، ولا بالإنسان اليمني، ولا بالمواطن اليمني أن يتضرر في أي بقعة هو، إنهم أصبحوا أداة تعتمد عليها دول الخارج المعتدية على هذا البلاد لتنفيذ إجراءات وسياسات تدميرية، هذا فيما يتعلق بالبنك المركزي اليمني.

طبعهم للعملة مؤامرة مكشوفة

فيما يتعلق بإيرادات الغاز والنفط، فيما يتعلق بالعملة التي تطبع بكميات هائلة، وتنزل إلى الأسواق بطريقة عبثية وبعيدًا عما فيه خدمة الاقتصاد الوطني، يعني: حتى تلك الأموال التي قاموا بطباعتها، كيف صُرفت؟ هل صرفت لما يخدم الاقتصاد الوطني، هل استفاد منها الشعب اليمني، أم أنهم جعلوا منها وسيلة للإضرار بالشعب والإضرار باقتصاده، وبالتالي الإضرار به في معيشته؟

الذي حصل واضح، من الذي يستطيع أن يقول: [صرفت في مجال كذا، فكان له انعكاسات إيجابية ونتائج طيبة في الوضع الاقتصادي]، ما الذي حصل في الوضع الاقتصادي إلَّا الانهيار، الضخ العبثي إلى الأسواق، وغير المدروس، ولا المتفق عليه أبدًا، ولذلك نحن نقول: هم مكشوفون، في أنهم تسببوا بكل ما هو حاصلٌ الآن، ويجب أن يكون الجميع من أبناء شعبنا واعيًا بهذه الحقائق الواضحة والبينة، وحتى هم في واقع الاعتراف بجنايتهم، وبما أوصلوا إليه الحال في البلد بكله، في المناطق الحرة والمناطق المحتلة من جانبهم.

نحن في هذا المقام ندعوا أولًا بتحييد الاقتصاد، وبالذات فيما يخص المرتبات والمواد الأساسية، وما يخص موضوع العملة، إذا كان لدى خونة الوطن حرص على أن يظهروا أنفسهم على أنهم ناجحون، وأنهم يتصفون بالمسؤولية، وأنهم حريصون على وطنهم، فليوقفوا عبثهم، إذا كان لديهم جزء من الحرص على أن يظهروا على أنهم رجال دولة، أو رجال يستطيعون أن يخدموا وطنهم، فليتفاهموا، ولكن ما أبعدهم عن ذلك، كما قلنا: هم لا يمتلكون القرار حتى في شؤونهم الشخصية، وليع شعبنا العزيز أن دول التحالف بنفسها (تحالف العدوان) هي تتعمد هذه الإجراءات والسياسات للهدف الذي ذكرته آنفًا؛ لأنهم يريدون أن يوصلوا الشعب اليمني إلى: [استسلم، أو بع نفسك لتحصل على لقمة عيشك]، ولكن سيفشلون في ذلك بإذن الله تعالى.

مبادرة للتفاهم حول تحييد الاقتصاد

لإقامة الحجة أقول: نحن جاهزون لكل ما من شأنه تحييد الاقتصاد والعملة من إجراءات، وتحييد أداء البنك المركزي لما يساعد على أداء اقتصادي في إطارٍ من التفاهم، تكون نتيجته إيجابية لصالح المواطن في أي بقعة من بقاع هذا الوطن: في صنعاء، أو في عدن، في حضرموت، أو في الحديدة، أو في مأرب، أو في عمران، أو في صعدة… في أي بقعة من بقاع هذا الوطن، نحن حاضرون لأي تفاهمات تساعد على تحييد الاقتصاد، لما من شأنه ضمان أن يكون المستفيد هو المواطن، ويمكن الوصول إذا هناك شيء من الإرادة، ولو قليل من الإرادة من قبل تحالف العدوان، أو من قبل خونة البلاد إذا سمح لهم أن يتفاهموا على إجراءات ضامنة، إجراءات تضمن ألَّا يستغل أي طرف، وألَّا يستفيد إلَّا المواطن بالدرجة الأولى، أن يكون المستفيد- حصريًا- من إيرادات النفط والغاز، إيرادات المنافذ، إيرادات الضرائب، إيرادات الجمارك، وكذلك ما هو شيء سيادي يعود إلى مصلحة البلاد، أي شيء يعود إلى مصلحة البلاد كشيء سيادي أن يلحق بذلك، فتصب تلك الإيرادات فيما من شأنه استقرار العملة وتعزيزها، وفيما من شأنه توفير المرتبات، وفيما من شأنه توفير احتياج الشعب من المواد الأساسية: القمح، البترول والغاز وغيرها من المشتقات، وكذلك الحصول على الاحتياجات الإنسانية والضرورية والدواء مثلًا، كل الاحتياجات الأساسية للشعب اليمني. نحن نقدِّم هذا الإعلان ونقيم به الحجة على أطراف العدوان، كما أننا نحمِّل تحالف العدوان وخونة الوطن المسؤولية فيما وصل إليه الحال.

الجهات الرسمية والتجار ومسؤوليتهم تجاه العملة

كذلك نحن نتوجه بالتأكيد والحث المشدد على الجهات الرسمية في صنعاء، وعلى التجار جنبًا إلى جنب، أن يتعاون الجميع للحد من تأثيرات هذه الحرب الاقتصادية، وهناك إمكانية لتحقيق ولو جزء من النجاح، والحفاظ على قدرٍ من الاستقرار، هذا متاح بالتعاون، وبالذات من التجار، أن يكون هناك توجّه جاد وكبير ورئيسي من الجهات الرسمية في صنعاء، وتبذل جهدها في ذلك، ثم تجاوب من التجار في بعضٍ من الإجراءات التي تساعد على تماسك العملة، وهذا حصل في عدة محطات في المرحلة الماضية، ولو بنجاح معين، ولو بمستوى معين من النجاح، هذا يمكن أن يكون له أثر إيجابي، وبالتأكيد سيكون له أثر إيجابي، المشكلة أن بعض التجار غبي، البعض من التجار غبي، لا يفهم أنه إذا سار في نفس السياق والاتجاه الذي تريده قوى العدوان في خونة البلاد أو الخارج سيتضرر هو في الأخير، تضرر الوضع الاقتصادي في البلاد ينعكس حتى على التجار، كلما ازدادت نسبة الفقر كلما عجز الناس عن القدرة الشرائية، تكسد البضاعة، فالتاجر الذكي ليعرف أن تعاونه مع الجهات الرسمية سيساهم بالتأكيد في قدرٍ جيدٍ من الاستقرار، ومحافظة على التماسك الاقتصادي بما يساعد على أن يكون في النهاية مستفيدًا، إذا فلسوا المواطنين من هو اللي با يشتري بضاعتك يا تاجر؟! فهذا مطلوب من الجميع مع وضوح الصورة.

طبعًا، كل ما يجري على المستوى السياسي، وعلى المستوي الاقتصادي، ثم على المستوى العسكري، والذي سندخل إلى الحديث عنه، هو- في نهاية المطاف- يقودنا جميعًا إلى مسألة رئيسية، وهي: الخيار الرئيسي في مواجهة هذا العدوان بكل أشكاله: السياسية، العسكرية، الاقتصادية، وهي أن نتجه جميعًا بكل جد، بكل جد، وبتقوى الله -سبحانه وتعالى- وبوعي، وبإرادة صادقة لبذل كل جهد في التصدي لهذا العدوان.

هذا الذي يفيدنا في نهاية المطاف، هذا الذي يمكن أن يستفاد منه في تفادي كثير من الأضرار كي لا تحصل، وفي الوصول بمعونة الله -سبحانه وتعالى- ورعايته وبالتوكل عليه- في نهاية المطاف- إلى النصر بإذن الله -سبحانه وتعالى-.

الخيار الصحيح إزاء تصعيد العدوان

على المستوى العسكري: هناك تصعيد عسكري، وليس بجديد، التصعيد هذا سمة لهذا العدوان من مراحله الأولى، منذ بدايته، في كل فترة يتجه إلى المزيد والمزيد من التصعيد، سواءً من خلال تصعيد عملياته البرية، أو من خلال سلسلة طويلة وكثيرة من الجرائم الوحشية، كلما صعَّد في الميدان، وأخفق في بعض الجهات والمحاور، يتجه بالتالي لتعويض إخفاقاته بارتكاب جرائم وحشية ومجازر كبيرة.

في المرحلة هذه يتجه تحالف العدوان من جديد للتصعيد بشكل كبير، وبالذات في محاور الساحل الغربي وفي محاور الحدود، وإن كانت تصعَّد حتى في المحاور الأخرى، لكن أكبر نسبة من التصعيد هي في هذه المحاور: فيما يتعلق بالساحل الغربي، وفيما يتعلق بالحدود؛ لأهداف سياسية، وأهداف متنوعة ومتعددة؛ ولأنها قد فشلت وأخفقت بشكل كبير في الماضي في محاور جعلت من التصعيد فيها عنوانًا رئيسيًا وبارزًا، وعلقت عليه أمالها وعناوينها، واشتغلت على ذلك سياسيًا وإعلاميًا ثم فشلت، كم تحدثوا- مثلًا- عن إسقاط صنعاء، واحتلال صنعاء، والوصول إلى صنعاء، والعيد في صنعاء ووو…الخ, سنوات كثيرة، ثلاث سنوات وهم يشتغلون على ذلك، في الأخير وصلوا إلى اليأس، اليوم يشتغلون على هذه المحاور بشكل رئيسي، ويبذلون جهدًا كبيرًا، ويتجهون بتحشيدهم العسكري بشكل أكبر إلى هذه المحاور، مع سلسلة كبيرة من الجرائم، يعني: تتواكب عملية التصعيد في الميدان بجرائم هنا وهناك بحق أبناء هذا الشعب، حتى بحق الأطفال.

ولذلك نحن معنيون– كشعبٍ يمني- أن نتجه بكل جدية، وباهتمام كبير، وبوعي بطبيعة هذه المرحلة، وبأهمية الصمود، وبأهمية المزيد من العزم والصبر والجدية والاهتمام وتحمل المسئولية ضمن خيارٍ لا مناص منه، خيار انطلقنا فيه من قناعة راسخة بأنه يمثِّل الموقف المسئول، والموقف الصحيح، والموقف الناجح في الأخير، وهو التصدي لهذا العدوان؛ لأنه ليس أمامنا إلَّا خيار من خيارين: إما الاستسلام لهذا العدوان، و إما التصدي له، وإذا جئنا لنقيس أي الثمنين أكبر؛ هل ثمن الاستسلام، أم ثمن التصدي؟ نجد بكل وضوح أن الثمن الأفظع والأسوأ والأكبر والكارثي والفظيع جدًّا هو ثمن الاستسلام، ثمن الاستسلام معناه أن نخسر كل شيء، كل شيء مهم، أن نخسر حريتنا، هل هناك شيء أغلى من حريتنا؟ أن نخسر كرامتنا، أن نخسر استقلالنا، أن نخسر أمننا، أن نخسر وطننا، أن نخسر مستقبلنا كشعب يمني مستقل حر يبني واقعه على أساس طموحاته المشروعة، أن نخسر كل شيء، أن نتحول إلى عبيد للأجنبي، ووطننا يتحول في مواقعه الاستراتيجية إلى قواعد عسكرية للأجنبي، وثرواتنا المهمة والكبيرة تتحول إلى مصالح اقتصادية للأجنبي، ثم نبقى نحن نعيش على الفتات كمرتزقة وخونة ومأجورين، في مقابل أن نبيع كل شيء، وأن نخسر كل شيء، وأن نبقى شعبًا بلا كرامة، وبلا إرادة، وبلا استقلال، وبلا حرية، وبلا قيم، وأن نتحمل عار الدنيا وخزي الدنيا وعذاب الآخرة.

وهذا ثمن لا يمكن أن نتحمله، لا يمكن أبدًا، لا بحكم انتماءنا، حينما يقول عنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَّة)، فإن الله يأبى لشعبٍ يحمل هذه الهوية وله هذا الانتماء أن يختار خيار الاستسلام، ويتحمل ثمنه بكل امتداداته ونتائجه السيئة والفظيعة والكارثية واللاإنسانية واللاأخلاقية، لو فعلنا ذلك لم نحتفظ حتى بإنسانيتنا، لو فعلنا ذلك واخترنا الاستسلام لن يبقى لنا حتى إنسانية، لَكُنَّا تناقضنا حتى مع فطرتنا الإنسانية، هناك شعوب لم يقل عنها الرسول: [الإيمان فيتنامي، ولا الحكمة فيتنامية، ولا الإيمان كوبي، ولا الحكمة كوبية، ولا هذا البلد أو ذاك…]، شعوب، لكنها بفطرتها الإنسانية صمدت في وجه الغزو الأجنبي، ولم ترضخ للاحتلال الخارجي، وضحت بأكثر مما قد ضحينا لحد الآن، بأكثر من مستوى تضحياتنا لحد الآن، البعض من الشعوب ضحت بمليون إنسان ثمنًا للحرية؛ ووصلت إلى الحرية، والبعض من الشعوب قاومت الحصار الاقتصادي لخمسين عامًا.

ولذلك نحن بالأولى والأجدر كشعبٍ يمني، له هويته الإيمانية، أن نصمد في وجه هذه التحديات، من قبل دول تحالف العدوان، على كل المستويات: عسكريًا، واقتصاديًا، وكذلك سياسيًا، أن نصمد، وألَّا نتزعزع، وألَّا نهون، وألَّا نتراجع، وأن نتحرك بكل عزم، كلما زاد إجرامهم، يجب– في المقابل- أن يزداد عزمنا، كلما زادت جرائمهم ووحشيتهم ومؤامراتهم، يجب– في المقابل- أن يزداد تصميمنا، وأن تقوى صلابتنا، هذا هو الشيء الصحيح.

النخب ومسؤوليتهم في التعبئة

واليوم هناك مسئولية كبيرة على كل النخب الثقافية والعلمائية، وعلى كل النخب من المثقِّفين والمعلِّمين والتربويين أن يتقوا الله، وأن يتحملوا مسئوليتهم بالشكل المطلوب في التعبئة المعنوية والروحية؛ لأن هناك من يشتغل- في المقابل- تحت عناوين ومؤامرات وامتداد لأعمال ممولة وسياسيات ممولة من قبل دول تحالف العدوان، تحت عنوان: الرياح الباردة، ورياح السلام، ومشاريع أخرى، يتحرك البعض من الأبواق، الأبواق التي ينفخ فيها الشيطان بزوره وباطله، للتثبيط، وتوهين العزائم، وإضعاف الروح المعنوية، وإفقاد الناس الانطلاقة الجادة في التصدي لهذا العدوان، أو للتضليل تجاه حقيقة هذا العدوان الجلية والواضحة وضوح الشمس، ولكن في الواقع البشري يحدث أن يكون هناك تشكيك، أو تلبيس، أو تضليل، أو خداع، حتى في أوضح الواضحات وأجلى الجليّات، مسألة تكون واضحة جدًّا، غزو أجنبي واضح، قواه الخارجية واضحة، معلنة عن نفسها، ومعبِّرة عن نفسها، وتستهدف بلدًا حرًا مستقلًا، تسعى إلى احتلاله والسيطرة عليه، تُشَغِّل معها بعضًا من الخونة، تسمى العملية: إما عملية تحرير، وهي عملية غزو واحتلال، أو عملية دعم كذا وكذا… أو تحت أي عنوان آخر، عناوين مخادعة، في الواقع البشري هذا يحصل.

من المهم أن تكون كل جرائم الأعداء، كل مؤامراتهم، كل تصعيدهم العسكري بين الفينة والأخرى في هذا المحور أو ذاك، تركيزهم للاحتلال في هذه المنطقة أو تلك، كل هذه المستجدات أن تكون سببًا لإثارتنا من جديد، وتحفيزنا من جديد، وإحياء روحنا المعنوية، وتقوية إرادتنا وموقفنا من جديد، هذه النتيجة الصحيحة لمن كان لا يزال إنسانًا سليمًا، دعك من أن يكون في مستوى معبأ بالإيمان والروح العالية الإيمانية، الروح المعنوية الإيمانية روح عظيمة، روح جبَّارة، روح قوية، روح تحظى بمدد إلهي، بالسكينة الإلهية، بالربط من الله على القلوب، بالمعونة الإلهية، بالتثبيت من الله -سبحانه وتعالى-.

فنحن كشعب يمني، بهويته الإيمانية- بإذن الله -سبحانه وتعالى- لن نكون أقلَّ شأنًا من فيتنام، أو كوبا، أو أي بلد حُر في هذا العالم، في صمودنا، في صلابتنا، في ثباتنا، في قوة عزمنا وإرادتنا، في تصميمنا على حريتنا واستقلالنا وكرامتنا، في تصدينا لهذا العدوان الإجرامي والوحشي، المستبيح لحياتنا وكرامتنا وحرماتنا، هذا العدوان الذي يقتل الناس بكل استباحة، يستبيح الدم، ويستبيح العرض، ويستبيح الأرض، هذا العدوان الغاشم، الظالم، الإجرامي، الوحشي… أن نتحرك بكل جديَّة.

نداء للشباب الأحرار

وأنا أتوجه اليوم بالنداء إلى الأحرار والشرفاء في هذا الشعب العزيز، وهم الكثير والكثير، إلى كثيرٍ ممن كانوا في الجبهات، فعادوا نتيجة الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة، إلى كل الأحرار من الشباب الذين هم ذخر هذا البلد ومستقبله، أن يهبّوا اليوم بعزمٍ إيمانيٍ يماني، وبتصميم وإصرار، وبالبطولة والثبات التي عبَّر عنها كثيرٌ من شجعان وأحرار هذا البلد في كثيرٍ من الجبهات، وهم حتى يواجهون بالحجارة، وهم يقتحمون حتى من دون أحذية، وهم حفاة، هذه الشجاعة التي عبَّر عنها الكثير من الشهداء، والكثير من الأحرار والشرفاء والقادة والأبطال، بتلك الروح المتصلة بمدد الله، بمعونته، التي تنطلق إلى الميدان بتوكل على الله -سبحانه وتعالى- وبالثقة بالله، وبالاعتماد على الله -سبحانه وتعالى-.

وأقول لشعبنا العزيز: يجب أن نحرص دائمًا على الاستعانة بالله -سبحانه وتعالى- إنها توجيهات الله التي تدعونا إلى ذلك، إن الله قد فتح لنا باب الاستعانة به، وحتى علَّمنا هو أن نقول: {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة: من الآية5]، إنها وصية الأنبياء للبشرية، {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف: الآية128]، علينا أن نحرص كشعبٍ يمني بهويته الإيمانية على الاستعانة بالله -سبحانه وتعالى- والثقة به، والتوكل عليه، والاقتداء بأنبياء الله وبأولياء الله، فيما كانوا عليه من: حرية، وثبات، وصلابة، وقوة إرادة في مواجهة الطاغوت والاستكبار، هذا واجبنا وهذه مسؤوليتنا.

خيار الصمود هو الخيار الأسلم والأصلح

وخيارنا في الصمود والثبات والاستبسال والتصدي للعدوان في كل المجالات: في المعركة على الأرض، المعركة العسكرية، وهو يسعى لاحتلال ما بقي من البلاد، أو في المواجهة في المجال الاقتصادي، أو في المجال الإعلامي، في أي مجالٍ من المجالات، خيار التصدي هو الخيار الصحيح بالفطرة الإنسانية، بمقتضى الفطرة الإنسانية، هو الخيار الصحيح بمقتضى التوجيهات الإلهية، بمقتضى الانتماء للإسلام، بمقتضى الهوية الإيمانية، بكل الاعتبارات، حتى باعتبار المصلحة، كعنوان مجرد حتى من قيم وأخلاق، فما بالك إذا رُبط بقيم ومبادئ وأخلاق.

خيار التصدي هو الأسلم، هو الأنجح، هو الأصلح، هو الأضمن لمستقبلنا ومستقبل أجيالنا، أما خيار الاستسلام فهو أسوء خيار؛ لأنه خيار مذلة في الدنيا، وخيار خزي في الدنيا، وخيار سوء في الدنيا، وخيار يعيش الإنسان فيه القهر- بكل ما تعنيه الكلمة- في الدنيا، ثم النار- والله- في الآخرة، والله لو اخترنا خيار الاستسلام لهذا العدوان لما رضي الله لنا بذلك، شعب كبير، شعب عظيم، شعب له مقومات الصمود على المستوى الثقافي والفكري والإيماني، على المستوى المعنوي، وعلى المستوى المادي، يمتلك كل مقومات الصمود، يحتاج إلى تفعيل هذه المقومات، وتحريكها في حالة من التعاون، في حالة من الابتكار، في حالة من التطوير، في حالة من الإنتاج، في حالة من الارتقاء، في حالة تكون قائمة على الأمل بالله، والتوكل على الله، والاستعانة بالله، والتوجه الجاد، وعدم الإصغاء لكل المنافقين، والمرجفين، والمثبِّطين، والطابور الخامس، والمتخاذلين الفاشلين واليائسين؛ لأنهم لا يمتلكون شيئًا من الإيمان، ولا يمتلكون شيئًا من الوعي، ولا يمتلكون شيئًا من الإنسانية، ولا يمتلكون شيئًا من الوعي بالواقع، بالأحداث، بالمتغيرات في الواقع العربي والعالمي والمحلي حتى، هم يعيشون حالة الإفلاس من كل شيء، ولذلك يغرقون في يأسهم، فيتجهون في خيارات مفلسة وخاسرة، خاسرة في مستقبل الدنيا، وخاسرة في مستقبل الآخرة.

خيارنا هو الصمود، واليوم معنيّون بتعزيز توجهنا بكل جديَّة في المعركة العسكرية، والدعم للموقف في الساحل؛ لأن المؤامرة كبيرة على الساحل، والتحرك دون اكتراث لما قد حصل حتى الآن، لكسب المعركة، وهذا متاح، وكذلك فيما يتعلق بجبهات الحدود وسائر الجبهات، مطلوب التحرك في كل الاتجاهات، ضمن عملية التجنيد في الدفاع والأمن، وضمن عملية التطوع في الجبهات، وهو تطوع بالاصطلاح، وإلَّا في الحقيقة هو أداء واجب.

ثم على المستوى الاقتصادي– كما قلنا- من الجانب الرسمي والتجار، ثم على مستوى مؤامرة الأعداء في كسر الروح المعنوية، تحت نشاط مكثف للتضليل والتلبيس وتوهين العزائم والتخذيل، جبهة العلماء والثقافيين والخطباء والمرشدين والتربويين في تعبئة الروح المعنوية، لنتحرك جميعًا في كل المجالات، حتى نقوم بواجبنا وننهض بمسؤوليتنا، وهذا الذي يفيدنا وينفعنا، ونعتمد على الله في كل ذلك، ونرجوا منه النصر، ولن يخيِّب رجاءنا مع استجابتنا له، هو يستجيب لمن استجاب له، من يتحمل المسؤولية، من ينهض بالمسؤولية، من يتحرك كما ينبغي، لا يمكن أن يخذله الله، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ}[التوبة: من الآية111]، إنه القائل: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}[الروم: من الآية47]، إنه القائل: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد: من الآية7]، إنه القائل: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}[الحج: من الآية40]، إنه القائل: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}[الحج: من الآية38]، لكن الخيبة والخسران والعواقب السيئة هي على المتخاذلين، على المفرِّطين، على المهملين، على المتكاسلين، على الذين لا يبالون تجاه الواقع، ولا يدركون المخاطر، ولا يتنبهون للعواقب السيئة في التنصل عن المسؤولية والإهمال، هذه هي المشكلة، هذا هو الخطر.

ولذلك نحن المعنيون اليوم كما في المحطات الماضية، حصلت محطات حسَّاسة وخطيرة جدًّا، وكان فيها تحديات كبيرة، كان يمكن بدون الصمود، بدون الثبات، بدون التحرك الجاد، أن يكون مستقبل بلدنا في مهب الريح، مستقبل أجيالنا ضائعًا، نحن بأنفسنا كنا سنخسر كشعب، ولكن بالاستجابة القوية، بالتحرك الجاد، بالوعي العالي فشلت كثير من المؤامرات، وخاب أمل الأعداء في كثيرٍ من المحطات، وسقطت عنا كشعبٍ يمني الكثير من التحديات، وتجاوزنا الكثير من المخاطر، معنيون اليوم بالصمود.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يرحم شهداءنا الأبرار، وأن يشفي جرحانا، وأن يفرِّج عن أسرانا، وأن ينصرنا بنصره، إنه سميع الدعاء.

وَالسَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛؛؛