موقع البينات | شبكة البينات خطابات ومحاضرات وحوارات ومقابلات السيد / عبدالملك بدرالدين الحوثي ..خطابات المناسبات..دروس رمضان ومتفرقات الهجرة عاشوراء اليمن

سلسلة محاضرات المولد النبوي 1440هـ (3)

أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهم برضاك عن أصحابه الأخيار المنتجبين، وعن سائر عبادك الصالحين.

أيها الإخوة والأخوات:

السَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛؛؛

نواصل الحديث على ضوء الآيات المباركة التي تحدثنا عن نعمة الله ومنَّته علينا، على عباده الأميين ببعثة رسول الله، خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- إليهم، الرسول الذي هو رحمة للعالمين كما قال الله -جلَّ شأنه-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: الآية107]، الذي جعل الله به وبما أنزل معه من الهدى الخلاص للبشرية، الفرج، الفوز، السعادة، الخير في الدنيا والآخرة.

العناية الإلهية بالنص القرآني

سبق في الآيات المباركة حديث مهم عن الرسالة الإلهية في مضمونها المهم، المتمثل بكتاب الله، بآياته المباركة، وحركة الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- على هذا الأساس، حركته بالرسالة، حركته بالقرآن الكريم، بآيات الله التي يتلوها على الناس، آيات الله التي هي أعلام على حقائق: حقائق من النور، حقائق من البينات، حقائق من الواقع، حقائق من التشريعات، حقائق من العقائد، آيات الله -سبحانه وتعالى- تمتاز بهذه الميزة: أنها كلها حقٌ {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[فصلت: من الآية42]، كتاب الله هو حقٌ محضٌ خالصٌ لا تشوبه أي شوائب أبدًا، ومن نعم الله أن حفظ لنا القرآن الكريم في نصه سليمًا من أي تحريف، ولذلك عَمِدَ الآخرون من المضلين والمبطلين والمفترين إلى التركيز على أسلوب آخر، عندما كانوا عاجزين عن تحريف النص القرآني، ولم يتمكنوا من ذلك كما فعلت اليهود في السابق فحرفوا التوراة، وكما فعلوا أولئك المضلون الذين حرفوا الإنجيل، أو كادوا أن يضيعوه بشكلٍ كبير، كان هناك عجز لدى كل فئات الضلال من المحسوبين على الإسلام، ومن خارج الأمة الإسلامية، كل فئات الضلال عجزت عن تحريف النص القرآني؛ لحفظ الله له، كما قال الله -جلَّ شأنه-: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[الحجر: الآية9]، هذه نعمة عظيمة جدًّا، الرسول تحرَّك يتلو آيات الله التي هي حقٌ وصدقٌ وعدل، ليس فيها ما يجافي الحقيقة، أو يتجاوز الحقيقة، وينقص عن الحقيقة، كما قال الله -جلَّ شأنه-: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[الأنعام: من الآية115]، حقائق لا يستطيع أحد أن يبدلها أبدًا، ولا يأتي في الواقع- حتى عبر الزمن في امتداده إلى قيام الساعة- لا يأتي ما يدل على بطلان تلك الحقائق التي نصت عليها آيات القرآن الكريم؛ لأنها آيات الله -جلَّ شأنه- التي هي من منبع علمه وحكمته، وهو -جلَّ شأنه- عالم الغيب والشهادة، يعلم السر في السماوات والأرض، لا يخفى عليه شيءٌ أبدًا في واقع الخلق والحياة، لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا في المستقبل.

حركة الرسول بالقرآن الكريم

فالرسول تحرك بهذه الآيات التي هي تدل على الحق، تدل على الخير، تدل على الصلاح، تدل على ما فيه حل لمشاكل الناس، تدل على ما يوجه الله إليه ويأمر به مما هو من دينه -سبحانه وتعالى- تدل الناس على الخير في الدنيا والآخرة، وعلى سبيل النجاة من عذاب الله وسخطه، وإلى ما فيه مرضاته -سبحانه وتعالى- وآيات لا ريب فيها ولا شك فيها: لا في أنها من الله، هذا أمرٌ محتومٌ وثابتٌ وقاطع، ولا فيما تضمنته باعتباره حقًا وحقائق، وباعتباره خيرًا ورشدًا لهذا الإنسان، وحركة الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- بالكتاب، يتلو آيات الله- وكما قلنا- تلاوة مرتبطة بمسيرة عملية، تلاوة للآيات التي يهدي بها هداية تتصحح من خلالها أفكار الناس، ثقافاتهم، مفاهيمهم، تصحيح للواقع، إصلاح للواقع، تغيير للواقع نحو الاتجاه الصحيح.

{يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}، وتحدثنا بالأمس عن أهمية التزكية للنفس البشرية، وأنها ركنٌ أساس في تغيير واقع الناس وفي إصلاحهم وإصلاح واقعهم، وركنٌ أساس في المشروع الإلهي، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ}، تحدثنا- كذلك- عن كيفية هذا التعليم.

الحكمة وموقعها في الدين الإسلامي

{وَالْحِكْمَةَ}.وصلنا إلى هذه النقطة: موضوع الحكمة، وهو- أيضًا- موضوع رئيسي، ومن أعظم ما في القرآن الكريم، من أعظم ما في رسالة، من أعظم ما تستفيد منه الأمة من رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- الحكمة، الإنسان كإنسان، حتى كفرد، والأمة كأمة في أمسِّ الحاجة إلى الحكمة؛ لتكون تصرفاتهم حكيمة، لتكون مواقفهم حكيمة، لتكون أعمالهم حكيمة، لتكون أقوالهم حكيمة، لتكون رؤاهم حكيمة، الإنسان يحتاج إلى الحكمة كرؤية، كفكرة؛ لأنه ينطلق على أساس رؤية عملية معينة، عنده فكرة معينة يتحرك في هذه الحياة على أساسها، أو يتخذ موقفًا بناءً عليها، إذا كانت تلك الرؤية والفكرة خاطئة، غير صحيحة، غير صائبة؛ ينتج عن ذلك تصرف غير صحيح، أو موقف غير صحيح، أو عمل غير صحيح، غير صائب، البديل عن الحكمة هو الحماقة، البديل عن الحكمة العشوائية، الخطأ، الفوضى، ينحرف الإنسان لا تكون تصرفاته صائبة، ولا ناجحة، يخطئ، هذا هو البديل عن الحكمة.

فالإنسان بحاجة إلى أن يتعلم الحكمة؛ ليكون حكيمًا في رؤيته، في فكرته، في تصرفه، في أقواله، في أفعاله، في اتجاهاته العملية، يحتاج إلى الحكمة، وهذا من أهم المواضيع أساسًا في الدين الإسلامي، ونحن نقول: أنَّ من أكبر الخسائر التي تكبَّدتها الأمة في إعراضها عن القرآن الكريم فيما يهدي إليه من: مواقف، وأعمال، وتصرفات، ورؤى، من أكبر الخسائر الكبيرة التي تكبَّدتها الأمة أنها فقدت الحكمة، وأصبحت في كثيرٍ من تصرفاتها ومواقفها العامة تخطئ، وتتصرف بطريقة خاطئة تمامًا، وتتبنى مواقف خاطئة، كثير من الزعماء، كثير ممن تناط بهم مسؤوليات وأدوار، ولهم نفوذ في واقع الناس: رئيس، ملك، زعيم، أمير، قائد… لا يمتلكون الحكمة؛ فتكون الكثير من قراراتهم قرارات خاطئة، الكثير من مواقفهم مواقف خاطئة، الكثير من تصرفاتهم خاطئة ومغلوطة وباطلة وفاسدة وظالمة، يترتب عليها كوارث في واقع حياة الناس، إذا فقد الناس الحكمة تضرروا، النتيجة هي: أن تكون العواقب السلبية والسيئة لخياراتهم الخاطئة، ومواقفهم الخاطئة، وتوجهاتهم الخاطئة… عواقب وخيمة عليهم في واقع الحياة.

أحيانًا إذا اتجه الناس في بلد معين، أو في منطقة معينة لاتخاذ خيار خاطئ غير حكيم، واتجاه خاطئ غير صائب ولا حكيم، وموقف خاطئ غير صائب ولا حكيم… يدفعون ثمن ذلك الخيار الخاطئ والاتجاه الخاطئ على مدى أجيال، يرزحون بسبب ذلك في ظلمٍ وعناءٍ شديد جدًّا، يهانون، تمتهن كرامتهم، يتضررون بشكل كبير، في نهاية المطاف يصلون إلى قناعة أنَّه لا خيار لهم إلَّا ذلك الخيار الذي أعرضوا عنه في البداية، فرَّطوا فيه في البداية.

مثلًا: لو اتخذ الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية خيارًا حكيمًا في التصدي للكيان الصهيوني في بدايات سعية لاحتلال فلسطين، وهو- آنذاك- بدأ تحركه بشكل جماعات، مجموعات، وعصابات معينة، عصابات منظَّمة تمارس الإجرام بحق الشعب الفلسطيني، ترتكب الجرائم، وفي تلك المرحلة المبكرة من ذلك النشاط اليهودي في بداياته الأولى ومساعيه الأولى لاحتلال فلسطين، لو اتخذ الخيار الحكيم والقرار الحكيم والموقف الحكيم الذي يرشد إليه القرآن في ظروفٍ كتلك، وهو الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله هو الخيار القرآني عندما يكون هناك تهديد للأمة من عدوٍ من أعدائها، يريد أن يجتاحها، يريد أن يحتل أرضها، يريد أن يسيطر عليها، يريد أن يتحكم بها، الجهاد في سبيل الله هو الخيار لظروفٍ كهذه؛ ليشكِّل حمايةً للأمة، منعةً للأمة، وهو خيار حق وحكيم وإنساني وفطري، ولكن أغلبية الناس آنذاك- الأغلبية في داخل الشعب الفلسطيني، والأغلبية في داخل الأمة العربية والإسلامية- كان خيارهم، خيارًا آخر: الصمت، اللامبالاة، الإهمال، عدم التقدير للمسألة بمستوى ما هي فيه من الخطورة؛ لأن الحكمة أيضًا يدخل فيها النظرة إلى الأمور، التقييم للواقع، التقدير للموقف، إذا لم تمتلك الحكمة قد تكون تقديراتك للموقف تقديرات خاطئة، تستبسط أمورًا خطيرة، وتتساهل تجاه أمور كارثية؛ فيحصل عليك كارثة، يحصل على شعبك كارثة، يحصل على أمتك كارثة، أنت تحتاج إلى الحكمة ليس فقط حين اتخاذ القرار، بل ما قبل اتخاذ القرار، وما قبل تحديد الخيار، في تقديرك للأمور، في فهمك للأمور، الفهم الصحيح، النظرة الصحيحة، التقييم الصحيح، الإدراك لمستوى الخطر، لمستوى ما يترتب على التفريط تجاه موضوع معين.

مثلًا: أمام هذا العدوان على بلدنا، لو اتجه الشرفاء والأحرار في هذا البلد إلى خيار الاستسلام عندما بدأ العدوان، وتمكَّن الأعداء من اجتياح بلدنا دفعةً واحدة، كيف كان وضعنا منذ تلك الفترة إلى اليوم؟ لكانت المأساة رهيبة وفظيعة وتفوق الخيال، وتمكَّنوا من السيطرة على البلد بكله، على الشعب بكله، وحوَّلوا الكثير من أبناء هذا البلد إلى عبيد لهم، يرسلونهم إلى حيث يشاءون ويريدون؛ ليقتلوا في سبيل تمكينهم من السيطرة أكثر، لامتهنوا الأعراض بشكل فظيع، لكانت المأساة في استعباد هذا الشعب وإذلاله وإهانته قد بلغت إلى حدٍ نخسر فيه أي ذرة من الكرامة والحرية والاستقلال، لوجد الناس أنفسهم عبيدًا لأسوء الناس، مستذلين، مقهورين، مهانين، مسحوقين؛ خسروا حريتهم، وكرامتهم، وعزتهم، واستقلالهم، وشرفهم، وأمنهم، واستقرارهم… وكل شيء، لا دين ولا دنيا، ولا كرامة عند الله -سبحانه وتعالى- ولا عند خلقه، ولا مستقبل لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولما أمكن أن يتخلص الناس من وضعية يمكنون هم أعدائهم من أنفسهم فيها إلَّا بعناء شديد جدًّا جدًّا، ربما عبر أجيال كثيرة، وبثمن باهض، وبعد أن يذوق الناس الهوان على أسوء ما يمكن أن يتوقعوه وأن يتخيلوه.

الحكمة.. مصدرها وموقعها في حركة الرسول الأكرم

فإذًا، الإنسان كفرد، والأمة كأمة بحاجة إلى الحكمة في فهمهم للأمور، ونظرتهم إليها، وتقديرهم للمواقف، وقراءتهم للواقع، ونظرتهم إلى الواقع، وبحاجة إلى الحكمة في اتخاذ القرارات، في تحديد الخيارات، وبحاجة إلى الحكمة كسلوك، بحاجة إلى الحكمة في التصرف، في المعاملة، في القول، في الفعل، الإنسان بحاجة إلى الحكمة، من أعظم ما في دين الله، في الإسلام، في الرسالة الإلهية، هو أنك إذا ارتبطت به بشكل صحيح يعلِّمك الحكمة؛ فتكون حكيمًا في تصرفاتك، في أعمالك، في مواقفك، ومن أعظم ما يجب أن نفهمه- وهو في غاية الأهمية- أن حكمة الرسالة الإلهية، حكمة القرآن، وحكمة الرسول هي مستمدةٌ من حكمة الله -سبحانه وتعالى- الذي هو أحكم الحاكمين، هي الحكمة في أعظم مصاديقها ومفاهيمها وكمالها، حكمة كاملة، حكمة الله التي علَّمها نبيه، حكمة الله التي أودعها في كتابه؛ ولذلك يسمي القرآن بأنه حكيم، وتكرر في القرآن الكريم الوصف للقرآن الكريم بالحكيم، الوصف للنبي- أيضًا بناءً على ذلك- بالحكيم، بل هو معلِّم الحكمة، ليس فقط حكيمًا، بل حكيمًا ومعلِّمًا للحكمة، على درجة عالية من الحكمة، وهو يعلم الحكمة فيما حدده من مواقف، في تصرفاته، في قراراته، في مواقفه، في سيرته العملية، في إرشاداته وتوجيهاته، وأعظم ما اعتمد عليه الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- في مسألة الحكمة والتزكية والهداية على القرآن الكريم؛ ولهذا ارتبطت مهمته بالقرآن بشكل رئيسي.

ولهذا عندما نتأمل النص القرآني: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، نجد في هذا النص ربطًا بشكل قوي جدًّا ما بين الرسول والقرآن، فالرسول تحرك بهذا القرآن، ومهمته اقترنت بهذا الكتاب بشكل رئيسي لا فكاك ما بين الرسول والقرآن.

التلازم التام بين الرسول والقرآن وخطورة الفصل بينها

ولذلك كانت عملية الفصل بين الرسول والقرآن منفذًا لبعض المضلين والمبطلين في تحريفهم للإسلام ومفاهيمه، تحريفهم لمفاهيم الإسلام وافتراءاتهم على الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- فاختلقوا بعضًا من الروايات المكذوبة وغير الصحيحة، افتروها واختلقوها كذبًا وزورًا ونسبوها إلى رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- وقدَّموا من خلالها ما يخالف القرآن: مفاهيم مخالفة للقرآن، أحكامًا وتشريعات مخالفة للقرآن، عقائد مخالفة للقرآن، ثقافات مخالفة للقرآن، أعمالًا وممارسات يدفعون الناس إليها تخالف القرآن الكريم؛ لأنه افترضوا أنَّ الرسول هناك لوحده مشتغل، ويتحرك في اتجاه والقرآن في اتجاهٍ آخر، لم تكن المسألة على هذا النحو: أن الرسول كان يتحرك في مسارٍ لحاله، في اتجاهٍ هناك والقرآن في اتجاهٍ آخر. |لا|، كان هناك تلازمٌ تام ما بين الرسول والقرآن، وحركة الرسول في إطار هذا القرآن، وعندما يتجه في الواقع التفصيلي والعملي فهو يتجه بوحيٍ من الله، وبأسس ثابتة وموجودة في هذا القرآن، يعني: ليس هناك في حركة الرسول، ولا في إرشاداته، ولا في توجيهاته، ولا في سيرته العملية، ولا في أقواله ما يمكن أن يصح عنه ويخالف القرآن الكريم؛ لأن الرسول كان ملازمًا للقرآن، التفاصيل العملية التي تحرك فيها أساسها في القرآن، أصلها في القرآن الكريم، ولم يكن يتجه بعيدًا عن هذا القرآن، وتجد في القرآن الكريم هذا الربط بشكلٍ كبير جدًّا، يقول: {لِتُنذِرَ بِهِ[الأعراف: من الآية2]، {وَأَنذِرْ بِهِ[الأنعام: من الآية51]، يعني: القرآن، وهكذا في التذكير، وهكذا نصوص كثيرة جدًّا تؤكِّد على هذا التلازم، وهذا الارتباط الوثيق ما بين الرسول – صلوات الله عليه وعلى آله- وما بين القرآن، فالرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- من موقعه في الرسالة والنبوة، من موقعه في القيادة والقدوة تحرك -صلوات الله عليه وعلى آله- يهدي بهذا القرآن، يتحرك على أساس توجيهات الله -سبحانه وتعالى- وأوامره في هذا القرآن، يعطي لهذا القرآن حيوية وفاعلية في الواقع، يعني: لم تكن عملية تعليم وفق الحالة الروتينية السائدة في واقعنا، بل عملية تعليم ارتبط بها عمل، ارتبط بها واقع، ارتبط بها حركة في الساحة، ارتبط بها نشاط عملي، ارتبطت بها مواقف، آية تتضمن موقفًا معينًا يتم اتخاذ هذا الموقف في الواقع العملي، لا يتم- مثلًا- تعليم الآيات عن الجهاد  لتحفظ فحسب, ثم تتلى في مناسبات، وتقدَّم عليها جوائز وانتهى الأمر، بل يبنى عليها موقف عملي في الساحة، جهاد وحركة، عندما نزلت آية الله -سبحانه وتعالى- في قول الله -جلَّ شأنه-: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ[الأنفال: من الآية60]، لم تكن كل اهتمامات الرسول منصبة في أن تحفظ هذه الآية كنص قرآني فقط، ثم أن يتقن قارؤها أحكام التجويد فيها، ثم الذي يكون على مستوى أكثر وأكبر، الذي يحفظها عن ظهر قلب (غيبًا)، ثم ذلك الذي يمتاز أكثر يضيف إلى ذلك تفسير المفردات… وهكذا، بل كان يتجه إلى الواقع ليربي من ينطلق معه على هذا الأساس ليعد ما استطاع من قوة، ليكون هذا توجهًا عمليًا، كل مسلم مأمور بأن يعد ما يستطيع من القوة للتصدي للأعداء، ثقافة قائمة، توجه قائم، وضمن مسار عملي واسع ترتبط به إجراءات كثيرة، اهتمامات واسعة، وعي كبير، إحساس عالٍ بالمسؤولية.

فهكذا نفهم أنَّ الحكمة في حركة الرسول، والحكمة التي أودعها الله في القرآن هي مستمدةٌ من حكمة الله، ولن نكون حكماء في أي موقف، أو توجه، أو تصرف، أو عمل، أو قول، أو فعل، أو مسار، أو سياسة تخالف هذه الحكمة التي أودعها الله في كتابه.

تجليات الحكمة

الحكمة تتجسد بشكل رؤى، بشكل مواقف، بشكل أعمال، القرآن الكريم حدد لنا مواقف، إذا جئنا لما نعانيه في واقعنا اليوم، في زمننا هذا، في عصرنا هذا، في حياتنا هذه، في جيلنا هذا، ما أمامنا من مواقف، من تحديات، من أخطار، من أحداث، نجد أنَّ القرآن الكريم قد رسم الله لنا فيه المواقف الحكيمة، إذا هناك سياسي، أو زعيم، أو فيلسوف، أو منظِّر، أو مفكِّر، أو بأي صفة، أو بأي اسم، أو بأي عنوان عنده فكرة أخرى، عنده موقف آخر يختلف عن الموقف القرآني الذي أرشدنا الله إليه ودعانا إليه، فلنع جيدًا وبكل ثقة وبكل اطمئنان، بل بكل إيمان، أنَّ الموقف القرآني هو الصحيح، هو الحكيم، وأنَّ الموقف الذي يخالفه ودعانا إليه سياسيون آخرون، مفكِّرون آخرون، علماء دين آخرون، أي شخصيات تحت أي مسمى… أنهم هم في الموقف الخطأ، وأنَّ موقفهم الذي يدعون إليه هو الموقف الخطأ.

مثلًا: علينا- كشعب يمني- عدوان كبير لا نظير له في الساحة العالمية اليوم في هذه المرحلة، ما هناك أي بلد يعاني من عدوان كالعدوان الذي نعاني منه على بلدنا، عدوان شامل، يهلك الحرث والنسل، يقتل الأطفال والنساء والكبار والصغار، يدمر القرى والمدن، يجتاح الأرض، يحتل، ينتهك الأعراض… يفعل كل شيء، ما هو الموقف الحكيم تجاه هذا العدوان؟

البعض لديهم رؤية أنَّ الموقف الحكيم هو الصمت والسكوت والاستسلام، البعض رؤيتهم أنَّ الموقف الحكيم هو أن تكون في صف هذا المعتدي، وأن تتحول إلى جنديٍ معه، تكمل معه ما نقص، تسرح تقتِّل أهل بلادك وتدمر ما استطعت من بيوتهم، وتنتهك ما استطعت من أعراضهم.

الموقف الصحيح لأمة تنتمي للإسلام، لشعبٍ ينشد الحكمة، يدرك قيمة الحكمة لدرجة أن يروى عن رسول الله أنه قال فيه: (وَالحِكمَةُ يَمَانِّيَّة)، أن يدرك أنَّ الحكمة هي المستمدة من حكمة الله, هي حكمة القرآن، حكمة الرسول التي هي مستمدة من حكمة الله، كيف يقول الله -سبحانه وتعالى-؟ هل قال[فمن اعتدى عليكم فاستسلموا له، واخنعوا له، واخضعوا له، واجبنوا أمامه، وتنصلوا عن مسؤولياتكم في التصدي لعدوانه]؟ أم أنَّه يقول: {فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ[البقرة: من الآية194]، أم أنَّه يقول: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ[الشورى: الآية39]، أم أنَّه يأتي بآيات كثيرة: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}، أم أنَّ آيات الجهاد التي تتحدث في صفحات القرآن الكريم على نحوٍ واسع عن الجهاد كفريضة من فرائض الله، من أهم مناسبات هذه الفريضة التي تتعين فيها هذه الفريضة عندما يكون هناك تهديد على الأمة وعدوان، مثل هذا التهديد وهذا العدوان، تهديد للأمة في حريتها، في استقلالها، في كرامتها، وعدوان شامل عليها، عدوان لا يرقب في مؤمنٍ إلًّا ولا ذمة، لا يترك صغيرًا ولا كبيرًا، يستبيح كل شيء، هنا تتعين فريضة الجهاد، هنا تصبح هي التكليف، وتصبح هي الموقف الحكيم، وتصبح هي العمل الذي يرضي الله -سبحانه وتعالى- والتفريط فيه يسخط الله ويمثِّل معصيةً لله -سبحانه وتعالى-.

وهكذا لندرك جميعًا أنَّ من أكبر ما عانت منه الأمة فيما مضى، وتعاني منه حاليًا: غياب الحكمة، فقدان الحكمة في كثير من القرارات، في كثير من المواقف، بالذات لأصحاب القرار، الأنظمة العربية والسلطات أكثرها فقدت الحكمة نهائيًا، من يبتعد عن القرآن الكريم في مواقفه، أو في خياراته، أو في قراراته، أو في أعماله، أو في تصرفاته، ويخالف القرآن الكريم هو حتمًا فقد الحكمة، كل ما يخالف القرآن هو مخالفٌ للحكمة، منافٍ للحكمة، بعيد- بكل ما تعنيه الكلمة- عن الحكمة. فالحكمة المستمدة من حكمة الله -سبحانه وتعالى- الذي هو أحكم الحاكمين، هل هناك أحد أحكم من الله؟ لا. الحكمة تحتاج إلى علم، الحكمة تحتاج إلى رشد، ما هناك أحد أحكم من الله.

أهمية التربية على الحكمة

ولهذا حتى يبنى الإنسان ليكون حكيمًا يحتاج إلى عملية تربوية أيضًا، ولهذا كانت المسألة مسألة تعليم، ووفق الطريقة التي اعتمد عليها الرسول، تعليمه قرارات، تعليمه مواقف، تعليمه… مسيرة عملية، تعليمه تأكيد وتربية، دفع إلى مواقف عملية، تحرك في مواقف عملية، ولهذا كانت عملية تربوية من جانب، ومسيرة عملية أيضًا، يبنى الناس عليها لتكون اتجاهاتهم اتجاهات حكيمة.

الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- تحرك عندما بعثه الله رسولًا على هذا الأساس، وأحدث بهذا التحرك الذي هو من خلال آيات الله، يتلوها، يهدي بها، يصلح بها كثيرًا من أفكار الناس، من ثقافاتهم، من أعمالهم، من مواقفهم، من…الخ. ويعلمهم الكتاب والحكمة، قبل ذلك أيضًا يزكيهم، أحدث نقلة كبيرة في الواقع العربي أولًا، وهو كان واقعًا أمِّيًّا، واقعًا بدائيًا، واقعًا متخلِّفًا إلى حدٍ كبير، النقلة هذه التي أحدثها الرسول بهذا التحرك كيف تحققت؟.

أهمية دراسة حركة الرسول لتغيير واقع امة للاستفادة منها

هناك دروس مهمة جدًّا نحتاج إليها في هذا الزمن، وسيأتي قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ}، النقلة التي تحققت بحركة الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- لتغير الواقع لأمة من حالة ضلالٍ مبين، {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، أمة ضائعة، ليس لها هدف تتحرك على أساسه في هذه الحياة، هدف عظيم، هدف مهم، هدف جامع، هدف صحيح، تؤدي دورها ومسؤوليتها وحضورها في الساحة العالمية على أساسه، وليس لها ارتباط بكتاب سماوي، بهدى من الله ترتبط به، وضائعة، ونتيجةً لهذا الضياع عاشت وضعًا اقتصاديًا مزريًا، وعاشت مشاكل كبيرة في واقعها الاجتماعي، وعاشت مشاكل سياسية لا حد لها ولا حصر، وكانت أمةً ممزقة، متناحرة، متحاربة، وعلى أبسط الأشياء يمكن أن تكون هناك حرب ضروس وشديدة وتستمر لعقود من الزمن، على مستوى مشكلة ناتجة عن سباق بين الخيول، وأحيانًا بين الجمال، ويحصل حرب لا أكبر منها، مشكلة كبيرة جدًّا فيما بينهم لأتفه الأسباب، حالات النهب، والسلب، والظلم، والفساد، والمنكر، والإجرام، والفواحش، حالة التوحش وفقدان المشاعر الإنسانية الفطرية، من نحو وأد البنات (قتل البنات بالدفن لهن أحياء)، والنظرة السلبية جدًّا تجاه المرأة، من مثل أكل الميتة، قبل ذلك انحراف عجيب عقائدي؛ في مسألة الألوهية والعقيدة، فكانوا يشركون بالله أصنامًا من الجمادات أُغوُوا بذلك من مضلين خطيرين، تبعية غبية لضالين، ولمفسدين، ولطغاة، ولظالمين، ولجبابرة، واقع سلبي، وواقع متخلِّف، حدثت تنقله وتغيير لهذا الواقع.

هذا التغيير اعتمد- أولًا- على رؤية هي القرآن الكريم، هي هدى الله، هي توجيهات الله ووحيه، يقود هذه العملية في التغيير شخص معين هو رسول الله محمد -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- الذي اصطفاه الله رسولًا، وهو خاتم النبيين، وهو سيد المرسلين، والرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- رسول للبشرية، للعالمين، للناس كافة، منذ مبعثه إلى قيام الساعة؛ لأننا في الحقبة الأخيرة من حياة البشر، والمهمة بنفسها مهمة تمتد عبر الزمن وفق ارتباط معين، وفق طريقة معينة نبني عليها هذه العلاقة بالرسول والقرآن.

طبعًا في النظرة التي هي قائمة لدى الكثير من الناس في زمننا هذا، ونحن كعرب، وكأمة، وكبشر بشكلٍ عام، المجتمع البشري من حولنا، الأمم بكلها، الناس جميعًا يواجهون الكثير من المشاكل والأزمات، ويعانون بشكل كبير، هناك في هذا العصر قوى متسلِّطة ومتمكِّنة ومسيطرة في الساحة، على رأسها أمريكا، تتحرك وفق رؤية معينة لها أهداف، لها أفكار، لها ثقافات، لها اتجاهات، لها سياسات تحكم بها واقع الناس، وتتحرك من خلالها في واقع الناس، ولكن نشاهد أنها لم تثمر، ولم تفلح أي فلاح في الواقع البشري، لم ينتج عن سياساتها إلَّا المعاناة للبشرية، إلَّا الهوان، إلَّا الخراب، إلَّا الفساد، إلَّا الدمار، إلَّا العذاب، إلَّا الظلم، إلَّا الظلام، إلَّا الضلال، إلَّا الباطل، الحالة هي حالة ضلال، هي تقود حالة ضلال مبين، هي تزيد من مشاكل البشرية، وتفاقم من مشاكل البشرية، مما يدل بشكلٍ واضح على أنَّ صلاح الناس، على أنَّ الحل بالنسبة للواقع البشري الذي هو أرقى حل يمكن أن يكون في واقع البشرية، وطبعًا لا تخرج المسألة عن طبيعة الحياة في واقعها العام، يعني: مهما كان هناك من رؤية عظيمة تبقى ساحة هذه الحياة هي ساحة اختبار، يبقى فيها معاناة، يبقى فيها مشاكل، يبقى فيها تحديات، ولكن الحال يختلف كثيرًا جدًّا عن ما إذا كانت الأمة تتحرك وفق هدى الله -سبحانه وتعالى- كم ستتخلص من مشاكل، كم ستتخلص من أزمات، كم ستدفع عن نفسها من محن، من كوارث، من مصائب، من نكبات، وفيما إذا أعرضت عن هدى الله -سبحانه وتعالى- حينها لو امتلكت ما امتلكت على المستوى المادي، أو على مستوى القدرات والإمكانات، لا يغني عنها شيئًا، ولا يصل بها ذلك إلى الخير والفلاح والسعادة، بل تعيش الحياة الضنك.

الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- تحرَّك بتلك الطريقة؛ فأحدث نقلة في الواقع العربي، نتج عنها بناء أمة توحَّدت بعد أن كانت ممزقة ومختلفة، والتقت على أعظم رؤية وتحت سقف العبودية لله -سبحانه وتعالى- وتحت قيادة النبي -صلوات الله عليه وعلى آله- فحلَّ مشكلة الاختلاف، الاختلافات والصراعات ذات الطابع العرقي، العنصري، القبلي… كل أشكال العصبية عولجت من خلال هذا الهدى، وتحوَّلت إلى أمة واحدة تحت قيادة الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- حلَّ مشكلة الاختلاف، اليوم مشكلة الاختلاف مشكلة صعبة في واقعنا القائم، عالج كثيرًا من المشكلات الاجتماعية، كثيرًا من المشكلات الاقتصادية، عالج المشكلة السياسية بشكلٍ تام، أصلح واقع الحياة على نحوٍ عظيم، وأحدث نقلة وفارقًا كبيرًا: من حالة الضلال المبين، إلى أمة باتت في إطار هذا المشروع، هناك عمل لإصلاحها وفق هذا المشروع، هناك اتجاه بها في واقع الحياة على أساس هذا المشروع؛ فكانت عملية ناجحة، وتجربة عظيمة جدًّا، نجاحها نجاح كبير.

وهناك ملاحظات يجب أن نستوعبها جيدًا:

كيف تحرك النبي بهذا المشروع الإلهي؟

أولًا: كيف تحرك النبي -صلوات الله عليه وعلى آله- في الواقع بهذا المشروع الإلهي العظيم؟ هل- مثلًا- حدثت عملية توافق في الواقع العربي على اتباع هذا المشروع، والقبول به، والإتباع له؟ مثلًا: هل عقد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مؤتمرًا يجتمع فيه زعماء العرب- زعماء قبائلهم، وزعماء اتجاهاتهم الفكرية والثقافية المختلفة طبعًا- وطرح في ذلك المؤتمر هذا الموضوع، فاتفقوا عليه، وخرجوا على أساسه، وانتهت المسألة، واحتلت المشكلة بمؤتمر حوار وطني شامل مثلًا، أو ما هي الطريقة؟

في الواقع البشري عندما تبرز اتجاهات متباينة، وتنشأ- في كثيرٍ منها- أهواء، أطماع، ضلال، باطل، يحدث- بالتالي- مواقف متصلِّبة، اتجاهات متعارضة ومتباينة، وإصرار على اتجاهات معينة، مثلًا: حركة الرسول بهذا الهدى لم تكن مرهونة بوفاق عام؛ لأن هذا لا يحصل أصلًا، وفاق عام في الساحة العربية بكلها، أو في الساحة العالمية بكلها. |لا|، الرسول بدأ حركته بهذا الهدى وكانت أول نواة تلتف حول هذا المشروع الإلهي نواةً محدودة، رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- آمن به في البداية زوجته خديجة الصدّيقة، وكذلك آمن به علي بن أبي طالب، أول نواة رسول الله، اتَّبعه وآمن به عليٌّ -عليه السلام- وخديجة -عليها السلام- هذه أول نواة، ثم بدأت تتسع هذه الدائرة التي تلتف حول هذا المشروع شيئًا فشيئًا، في نهاية المطاف شملت الجزيرة العربية، وسادت في الجزيرة العربية هذه الرؤية، وساد فيها هذا المشروع الذي التفَّت حوله في البداية نواة مكونة من ثلاثة: رسول الله، وفتى هو علي بن أبي طالب، وامرأة هي خديجة، أول نواة من المجتمع التفت حول هذا المشروع، توسعت الدائرة.

ثم هذا المشروع هل لاقى ترحابًا في الساحة؟ رسالة الله، وتحرك به رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- الذي كان على أرقى مستوى يمكن أن يصل إليه بشر في كماله الأخلاقي والإنساني، وفي ما هو عليه من حكمة عالية، وأداء عظيم، شخصية يفترض أن تكون مقنعة، وهدى ومشروع إلهي عظيم يفترض أن يكون مقبولًا، هل اتجه للتحرك به في الساحة فلقي بكل بساطة ترحيبًا من الجميع، وقابلية من الجميع، وعندما يصل إلى منطقة كلهم اتجهوا وآمنوا ورحبوا، وأسهلوا، وقابلية بدون أي معارضة، بدون أي مشاكل، بدون أي تحديات ولا صعوبات. |لا|، أولًا واجه هذا المشروع الإلهي والذي يقوده ويتحرك على أساسه رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- أشد المعارضة في الساحة، تحركت زعامات، وجاهات، واتجاهات متنوعة لمعارضة هذا المشروع الإلهي، الواقع العربي الحركة الوثنية- آنذاك- تحركت بشدة، وباستياء شديد وسلبية كبيرة وعداء شديد جدًّا، واتجاه آخر هم اليهود، اتجهوا من هناك بعدائية شديدة جدًّا وأشد عداوة من غيرهم، ثم في الأخير اتجاه النصارى- آنذاك- متمثلًا في الروم، كذلك اتجاه المجوس… اتجاهات كثيرة تحركت لتعادي هذا المشروع الإلهي، ولتعمل ضد هذا المشروع الإلهي بكل الأساليب والوسائل لإحباطه، وللقضاء عليه، ولإفشاله، وبذلت جهود كبيرة جدًّا ضد هذا المشروع الإلهي، منها جهود عسكرية، تحركات عسكرية، بهدف القتل والقضاء على رسول الله ومن التف معه حول هذا المشروع.

الأمِّيّون ومواجهتهم للدعوة الإسلامية

تحرك هؤلاء الأمِّيّون الذين بعث إليهم لهدايتهم، لإنقاذهم، لخلاصهم، خلاصهم في الدنيا، وخلاصهم في الآخرة، حتى يسعى إلى أن يفوزوا بشرف هذا الهدى في الدنيا، أن ينعموا بخيره في الدنيا، وأن ينعموا به في الآخرة في جنة الله، يأتي يدعوهم إلى ما فيه شرفهم، إلى ما فيه خيرهم، إلى ما فيه صلاحهم، إلى ما فيه الحكمة والرشد والخير والسعادة في الدنيا، والجنة التي عرضها السماوات والأرض في الآخرة، ونجاتهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة، هؤلاء الأميون الذين قال الله عنهم: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ[الجمعة: من الآية2]، ما الذي فعلوه بهذا الرسول العظيم، بهذه النعمة العظيمة، بهذه الرحمة المهداة من الله -سبحانه وتعالى- ما الذي فعلوه؟ أولئك الأمِّيّون تحركوا يريدون أن يقتلوا هذا الرسول، بذلوا كل جهدهم لقتله، حاولوا أن يقتلوه، يأتي ليدلهم إلى ما فيه الخير لهم، يدعوهم إلى الله، يدعوهم إلى ما فيه سعادتهم، فحاولوا أن يقتلوه، بذلوا كل جهد، وحاربوه معركةً تلو معركة، حرب شرسة جدًّا على المستوى العسكري، أما الدعايات فكانت كثيرة، الدعايات المسيئة إلى شخص النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكذلك المجادلة بالباطل ليدحضوا به الحق، {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ[غافر: من الآية5]، كم هناك من جدال ونقاش عندما قدَّم رسول الله مسألة التوحيد لله -سبحانه وتعالى- حاولوا هم أن يناقشوا هذه المسألة، أن يجادلوا فيها، تعصبوا لأصنامهم واتجاهاتهم الباطلة أشد التعصب، ولما كانت كثير من المسائل مسائل حسَّاسة استغلوا حساسيتها من حيث طبيعة التعصب لها بين الناس فتعصب البعض تعصبًا شديدًا لها، لكن عظمة هدى الله -سبحانه وتعالى- وما فيه من الحكمة؛ ولأنه يتصل ويرتبط بتدبير الله ورعايته، وهو -جلَّ شأنه- القائل في كتابه الكريم: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ∗ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[الصف: 8-9]، الله -سبحانه وتعالى- وهو الذي يتصل به هديه، وتتصل به رسالته بالرعاية والتدبير نَصَرَ هذا الدين في مسيرة الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله وسلم- بهذا الهدى، بهذا النور، كانت تلك الأمة وتلك الدائرة تكبر وتتسع، والآخرون من حولها يفشلون، ويتهاوون، ويتلاشون ككيانات قائمة معارضة، معادية، محاربة.

من سمة هذا الدين القوة، من سمة هذا الهدى القوة، يبني الأمة لتكون قوية باعتصامها بالله القوي، بنصرة الله القوي، بنصر الله وهو خير الناصرين، بتوليها لله واعتصامها بحبله، لأثره العظيم على المستوى التربوي والنفسي، يبني الإنسان ليكون على مستوى عظيم من الصبر والتحمل، والاستعداد العالي للتضحية، والإدراك لقيمة الموقف، والوعي العالي تجاه الأحداث وتجاه الآخرين، هذا يساعد على أن يكون عند الإنسان تحرك قوي وفعَّال، يحظى فيه برعاية من الله، ومعونة من الله، ونصر من الله -سبحانه وتعالى-.

فاتسعت الدائرة حتى عمَّت وشملت، وأحدثت نقلة- في عصر النبي، تحت قيادته- نقلة كبيرة جدًّا، في الأخير تغيَّرت أفكار، وقناعات، وثقافات، وعصبيات، وأحدث صياغة جديدة في المجتمع، واتجاهًا جديدًا في المجتمع إلى ما فيه الخير.

فهذه التجربة المهمة جدًّا لو استمرت الأمة عليها ما بعد وفاة رسول الله إلى اليوم، لكانت الأمة في أرقى مستوى في الساحة العالمية، لكن مع طول العصر، مع امتداد الزمن، استمرت انحرافات كبيرة في الواقع الداخلي للأمة، ابتعاد عن هذا المشروع الإلهي في نقاط مهمة، في أسس مهمة، في قضايا رئيسية أوصل الأمة إلى أن تكون- في هذه الزمن- في وضع بئيس وسيء، العالم الإسلامي يتناحر فيما بينه، داخله مشاكل كبيرة من موروث انحرافات الماضي، ويواجه تحديات الحاضر.

الطريق لخلاص الأمة

لمعالجة هذه المشاكل الكبيرة التي نعاني منها من انحرافات الماضي واختلالات الماضي على مدى قرون وزمن طويل، أكثر من ألف وأربعمائة عام، وما بين ما نعانيه اليوم من تحديات من كيانات الطاغوت وقوى الاستكبار الظالمة والمفسدة، نحتاج في الخلاص إلى هذا الهدى، ولهذا قال الله: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[الجمعة: الآية3]، لقد كان خلاص الأولين، خلاص ذلك الجيل المعاصر للنبي -صلوات الله عليه وعلى آله- بهذا الهدى، وهذه الرسالة إليه، لخلاصه، لفلاحه، لعزته، ليكون مجتمعًا يعتز بعزة الله، وحكيمًا مستمدًا حكمته من حكمة الله -سبحانه وتعالى-.

{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[الجمعة: 3-4]، فضل الله شرف، المسألة فيها خير للناس، حل لمشكلتهم، صلاح لأمرهم، نجاة لهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة، وفيها فضل، سمو للناس، عندما نكون أمة حكيمة، أمة عزيزة، أمة تحظى بالكرامة والحرية والاستقلال، أمة تتخلص من التبعية لكيانات الطاغوت وقوى الاستكبار، أمة تلتزم بشرع الله ونهج الله وتعاليم الله، وتستهدي بهدى الله؛ نكون أرقى أمة في الأرض في ثقافتنا، في وعينا، ونؤدي دورًا خيِّرًا ومصلحًا في واقع البشرية من حولنا.

{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، لا أعظم من فضل الله أبدًا، ولهذا خسارة الأمة عندما تستبدل هذا الهدى وتبحث عن بدائل من الناس، وأحيانًا من مضلين، وأحيانًا من جهلة، وأحيانًا من طغاة، خسارة رهيبة جدًّا، وغبن رهيب لا نظير له أبدًا.

دروس من تجربة بني إسرائيل

{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[الجمعة: الآية5]، هناك تجربة يجب أن نستفيد منها كمسلمين، هي تجربة بني إسرائيل من قبلنا، كانت فيهم النبوة والكتاب، كان الله يبعث منهم الأنبياء، وكان فيهم الكتب، على رأسها التوراة، وكانت تجربة بني إسرائيل مع التوراة- في الأخير- حتى على مستوى علمائهم (الأحبار): العلماء الكبار فيهم، هيئة كبار العلماء عندهم، كانت تجربة- في الأخير- فاشلة؛ لأنهم في علاقتهم بالتوراة تحوَّلوا منطلقين من منطلقات غير التوراة، لدرجة أنهم استهدفوا التوراة بالتحريف، هم حرَّفوا حتى في مضمونها، في نصها ومعناها، حرفوا كثيرًا وكثيرًا فيها.

عندما تكون العلاقة بالدين، العلاقة بالهدى نفسه لم تعد على أساس الاهتداء والإتباع، وأصبحت المسألة مسألة استغلال وتوظيف، المنطلقات منشأها شيء، والهدى الذي ينتسب الناس إليه شيء آخر، تصبح عناوين يتزيَّنون بها، يستبقون منها ويبقون على البعض منها فيما لا يتعارض مع أهواء ورغبات، ويزيحون الكثير مما يتفاوت ويتنافى ولا يتفق مع رغبات وأهواء، الحاكم هو الهوى، هي الرغبات، هي المصالح الموهومة، هي التبعية لجهات فاسدة، ظلامية، باطلة، طاغية، تكون هناك كارثة كبيرة في العلاقة مع الهدى، لم تعد علاقة اهتداء بذلك الهدى، يبقى الناس معهم الانتساب (الانتماء).

الآن يجب أن نستفيد من هذه التجربة، أولئك الذين فقدوا حتى علاقتهم بالله، حتى أن الله نزَّه نفسه من أن يكونوا هم أولياء له، معبِّرين عن دينه بصدق، بحقيقة، نزَّه نفسه ضمن هذا التسبيح: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ[الجمعة: الآية1]، عن أن يكون أولياؤه من تلك النوعية الذين لا يحملون هداه من خلال الإتباع، من خلال التمسك، من خلال الاهتداء، بل تبقى حالة انتماء فارغة من مضمونها، حالة شكلية، حالة فيها بعض الأشياء، إيمان ببعض ورفض لبعض آخر، ثم اتجاه في الحياة بعيدًا عن ذلك الهدى، والنتيجة تكون سلبية جدًّا، النتيجة: أن يكون من حُمِّلوا هذا الهدى ثم لم يحملوه، كيف لم يحملوه؟ لم يتبعوه، لم يهتدوا به، لم يتزكوا به، باتوا ينطلقون في معظم شؤون حياتهم ومواقفهم واتجاهاتهم بعيدًا عن هديه، عن تعليماته، عن توجيهاته، عما رسم فيه، وحدد فيه من مواقف، يصبح حالهم هذا الحال: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}، حتى عالم الدين، حتى لو حفظ القرآن من أوله إلى آخره عن ظهر قلب، يقرأه في صلواته، في مناسباته، يتفاخر ويتباهى بحفظه وهو بعيد عن الاهتداء به، عن الإتباع له، عن التمسك به، عن الالتزام به، يصبح {كَمَثَلِ الْحِمَارِ} في أشياء كثيرة جدًّا تدخل ضمن هذا التوصيف القرآني.

الأمة نفسها إذا تركت الاهتداء بالقرآن، إذا لم تبقَ علاقتها بالقرآن علاقة اهتداء، إلَّا أنه يكون هناك فارق ما بين المتعلمين وغيرهم، القرآن يشبه غير المتعلمين، غير المثقفين، غير طبقة العلماء في الأمة، يشبههم في حالة الانحراف والجهل بالأنعام، {كَالْأَنْعَامِ} يعني: الإنسان الذي هو جاهل تمامًا، لا يعرف شيئًا من هدى الله، يكون حاله كحال الثور، أو كحال الجمل، أو كحال الكبش، على اختلاف الطبائع، والأحوال، والظروف، والسلوكيات، والتوجهات.

الطبقة المثقفة في الأمة التي يعود الناس إليها ليستفيدوا منها هي في تحديد مواقف، أو في تلقي ثقافة، أو في إفتاء، أو تعليم، إذا هي ابتعدت عن الهدى، تكون النتيجة أنها فيما هي عليه في تفكيرها، في نظرتها، في سلوكها، تشبه الحمير تمامًا، ولم يعد ينبغي للأمة أن تثق بها، ولا أن تعتمد عليها، يكون حال الناس إذا اعتمدوا على تلك الطبقة- في حال ابتعادها عن هدى الله- كحال من يعود إلى حمار، ليسترشد من ذلك الحمار دلالة على مواقف، تخيلوا مثلًا: لو اجتمع الشعب اليمني وذهبوا إلى حمار حقيقي يريدون منه أن يحدد لهم كيف يكون موقفهم من هذا العدوان، كانت ستكون حالة مضحكة غريبة جدًّا، كيف تريد من حمار أن يحدد لك موقفًا حكيمًا، أو أن تسترشد به! أيضًا لو وُجِدَ إنسان- مثلًا- يُعَظِّم حمارًا ويبجِّله ويمجِّده، وينظر إليه بتعظيم وتقديس وتبجيل، أليس الناس سيسخرون منه؟!

ولذلك هناك خطورة على الأمة في ابتعادها عن القرآن الكريم في الاهتداء به، في أن تكون متجهةً نحوه قبل كل شيء، تجعله فوق كل ثقافة، فوق كل فكرة، هداه فوق كل رأي، لا تتعصب لآراء، أو ثقافات، أو اتجاهات مذهبية، أو لأشخاص، أو لرموز فوق القرآن، تجعل القرآن وتتعامل معه ككتاب مهيمن حتى على كتب الله -جلَّ شأنه- النتيجة هي هذه: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ}، فما بالك بالقرآن، والقرآن أعظم شأنًا من التوراة؛ لأن الله جعله مهيمنًا على كل كتبه السابقة، جعله مهيمنًا على ما سبقه من كتبه، وهو أعظمها شأنًا، كما كان نبيه محمد -صلوات الله عليه وعلى آله- في الأخير هو أعظم الرسل شأنًا عند الله وأعظمهم قدرًا.

أهمية تعلم كيفية الارتباط بكتاب الله ورسوله

لذلك نقول اليوم: أنَّه يجب أن نتعلم كيف نعزز ارتباطنا بشكلٍ قوي بالرسول والقرآن، الرسول في موقع القدوة والقيادة والاهتداء به في مسيرته العملية، ونفهم أنَّه كان مقترنًا بالقرآن، ولم يكن منفصلًا عنه، من أراد أن يقدِّم لنا شيئًا محسوبًا على الرسول يخالف القرآن ويفصلنا عن القرآن؛ فلندرك أنَّه يكذب على رسول الله، ويفتري على رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- كيف يكون الرسول قدوةً لنا فوق كل قدوة، إذا أتى أحدٌ من هذه النوعية الذين يقول الله عنهم: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ}، ليصرفنا عن موقفٍ حق، أو عن اهتمامات وأولويات حق يرشدنا إليها القرآن؛ فلندرك أنه هو في الموقف الخاطئ، وسيتضح لنا من هو منسجم مع القرآن في أولوياته، في اهتماماته، في اتجاهاته العملية، في مواقفه، ومن هو بعيدٌ عن القرآن الكريم، القرآن يحدد لنا مسارًا مستقلًا لا تبعية فيه للطغاة والجائرين والظالمين، عندما تلاحظ الآخرين، حتى من يحسبون أنفسهم على الدين، ويقدِّمون أنفسهم تحت عناوين دينية، كحال التكفيريين، تجدهم- في نهاية المطاف- على تبعية للسعودي والإماراتي، وتجد السعودي والإماراتي كلٌ من النظامين في حالة تبعية واضحة صريحة مؤكدة لأمريكا، فعندما يأتي هذا الذي هو ذيل من ذيول آل سعود، أو من ذيول النظام الإماراتي وهو في حالة تبعية لهم، وهم في حالة تبعية لأمريكا، حتى لو قدم عنوانًا دينيًا هو يفتري على الإسلام، حتى لو قدم آيةً قرآنية هو سيستشهد بها في غير موضعها، حتى لو رفع عنوانًا إسلاميًا هو يكذب وهو يفتري.

نكتفي بهذا المقدار، وفيه ما ننتفع به إن شاء الله -سبحانه وتعالى-

دعوة وتذكير

يبقى لنا أن نتوجه إلى جماهير شعبنا العزيز للحضور المشرِّف والفاعل والكبير يوم غد- إن شاء الله تعالى- في مختلف الساحة المقررة للاحتفال بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، أنا- دائمًا- في هذه الذكرى أستذكر ما يقوله الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- فيما روي عنه: (الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالحِكمَةُ يَمَانِّيَّة)، أستذكر الأنصار (الأوس والخزرج) القبيلتين اليمانيتين اللتين نصرت رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- واستقبلته يوم استقبلته مهاجرًا بكل شوق، بكل محبةٍ وإعزاز، نستذكر تلك الأجواء في مدى تفاعل شعبنا العزيز مع هذه الذكرى لإحيائها، وللاستفادة منها كمحطة عظيمة ومهمة نتزود منها المزيد من الإيمان والوعي والعزم لمواصلة السير في هذا الطريق: طريق العزة، طريق الكرامة، طريق الحرية، نتزود منها ما يزيدنا عزمًا إلى عزمنا، وإيمانًا إلى إيماننا، وثباتًا على ثباتنا في مواجهة كل التحديات.

نستفيد من رسول الله -صلوت الله عليه وعلى آله- وهو نبينا، وقدوتنا، وسيدنا، وقائدنا، نستفيد منه كيف نثبت، وكيف نصمد في مواجهة كل التحديات مهما كانت، وهو ثبت في مواجهة التحديات التي كان يعانيها حتى من داخل الساحة الإسلامية (في المجتمع الذي ينتمي للإسلام)، فكان فيه منافقون، وكان فيه فئة الذين في قلوبهم مرض، وكان فيه فئة من ضعاف الإيمان وقاصري الوعي، وكان فيه فئة من الذين يتجهون حتى لمجادلته عندما يتجه للموقف الصحيح، للموقف الحكيم الذي يوجهه الله إليه، يقول له: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ[الأنفال: من الآية5]، (رَبُّكَ) هو الذي أمرك بالخروج والتحرك، و(بِالْحَقِّ) ليس بالباطل، لم تكن خاطئًا في موقفك، لم تكن غالطًا في اتجاهك، لم تكن منحرفًا في مسيرتك، {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ *  يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ[الأنفال:الآية5-6]، فكان يصبر، كان يثبت، كان يواصل الدرب، {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ[النساء: من الآية81]، لنواصل دربنا، إذا وجدنا متخاذلًا هناك تحت أي عنوان، بأي اسم: اسم سياسي، اسم عالم دين، اسم زعيم قبيلة، اسم أكاديمي… بأي صفة كان، يا أخي قدوتنا هو رسول الله محمد، ونهجنا هو القرآن، منه نستمد المواقف الحكيمة، المواقف الصحيحة، نتجه الاتجاه الصحيح الذي أرشدنا إليه الله -سبحانه وتعالى- ودلَّنا عليه، مَنْ ينحرف عن هذا الدرب، مَنْ يخرج عن المسير في هذا الاتجاه؛ لا نبالي به، ولا نكترث لحاله، على بصيرةٍ من أمرنا، على بينةٍ من أمرنا.

شعبنا العزيز هو جديرٌ بهذا الانتماء العظيم للإيمان، وللحكمة، وللرسالة الإلهية، هم أحفاد الأنصار، والأنصار هم الذين اتجهوا للتضحية بالنفس، لبذل النفس والمال، ما بالك بالحضور في مناسبة لها هذا الشرف، لها هذا العنوان: ذكرى مولد رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- كما في كل عام تحضرون بشكل كبير ومشرِّف، آمل منكم أن تحضروا بشكلٍ كبيرٍ ومشرِّف يوم الغد؛ ليكون حضوركم معبِّرًا، وليمثِّل رسالةً إلى كل الأعداء: أنَّ هذا الشعب ثابتٌ على هذا الدرب، على هذا النهج، على هذا الموقف، على هذا الطريق.

طبعًا في هذا العام حرصنا على أن تكون هناك فعاليات متعددة، فعالية مركزية في صنعاء، فعاليات في محافظات متعددة، أعلن عن الساحات نفسها في التلفزيون وحددت؛ حتى نتيح فرصة من جانب أكبر للحضور، بالذات أن كلفة النقل في هذا العام مع ارتفاع أسعار الوقود كلفة أكبر، ولكن الأعداء ستخيب آمالهم، بدلًا من أن يتحول هذا إلى عائق عن الحضور بشكل كبير في صنعاء، في هذا العام -إن شاء الله- وبوعي شعبنا وبعزمه وبإرادته وبإيمانه ستكون الفعاليات أكبر من كل عام، حيث سيحضر الأهالي في صنعاء بشكل مشرِّف وكبير، وسيحضر الناس في بقية المحافظات إلى بقية الساحات بشكل كبير ومشرِّف، وبإذن الله -سبحانه وتعالى- وبإيمان هذا الشعب سيكون الحضور يوم الغد أكبر من كل عام إن شاء الله -سبحانه وتعالى-.

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه عنا، حتى نكون من عباده المؤمنين المتقين المهتدين بهديه، المتَّبعين لرسوله -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله-.

وَالسَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛؛؛