موقع البينات | شبكة البينات خطابات ومحاضرات وحوارات ومقابلات السيد / عبدالملك بدرالدين الحوثي ..خطابات المناسبات..دروس رمضان ومتفرقات الهجرة عاشوراء اليمن

كلمة السيد بمناسبة اليوم العالمي للمرأة المسلمة 1440هـ

أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهم برضاك عن أصحابه الأخيار المنتجبين، وعن سائر عبادك الصالحين.

أيها الإخوة والأخوات، شعبنا اليمني المسلم العزيز:

السَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛؛؛

نتحدث في هذا اليوم بالمناسبة المباركة والعزيزة: ذكرى مولد البتول الزهراء، فاطمة بنت رسول الله محمد -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين- وفي هذه المناسبة نتوجه بالتبريك والتهاني إلى كل الأخوات والأمهات المسلمات من أبناء الأمة، كما نركز في حديثنا في إطار هذه المناسبة المباركة والعزيزة على ثلاثة محاور رئيسية:

الأول: بعض الدروس والعبر المستفادة من هذه المناسبة المباركة، والثاني: بالتعليق على مساعي الأعداء لإثارة الفرقة بين أبناء شعبنا اليمني المسلم العزيز، من خلال إثارة النعرات العنصرية والمذهبية والمناطقية، والمحور الثالث: سنتحدث فيه فيما يتعلق بالوضع الراهن على مستوى اتفاق السلام في السويد، وما يتعلق به، والوضع الراهن فيما يتعلق بالحرب.

طبعاً سنستفيد من الوقت؛ لأن فترة بعد العصر فترة متسعة، وفترة غير مزدحمة بالبرامج الرئيسية على مستوى وسائل الإعلام.

عندما نأتي إلى المحور الأول، الذي هو الدروس والعبر المهمة من هذه المناسبة المباركة: هذه المناسبة العزيزة- كبقية المناسبات الإسلامية- ذات أهمية كبيرة، فيما يستفاد منها من الدروس والعبر ذات التأثير التربوي والأخلاقي والثقافي، الذي يساهم في الارتقاء الإيماني، وعندما نأتي إلى هذه المناسبة فمن أهم العناوين ذات العلاقة بها عنوان مهم جدًّا، هو: النموذج الصحيح والقدوة الحسنة، الذي يمثل حاجةً بشرية على مستوى مسيرتنا الدينية، وعلى مستوى مواجهة التحديات، وعلى مستوى تحمل الصعوبات، وسنتحدث على ضوء هذه العناوين على مستوى مسيرتنا الدينية.

حاجتنا للنموذج الصحيح والقدوة الحسنة

القرآن الكريم ركز بشكلٍ كبير أن يعرض لنا النماذج التي ننشد إليها في مسيرتنا في الحياة لتطبيق الدين وللالتزام به، فنجد في القرآن الكريم حديثاً واسعاً ومتنوعاً، ونماذج متعددة من سيرة الأنبياء -عليهم السلام- ووقائع متنوعة، وكذلك شؤون متنوعة ومتعددة ذات صلة بحياتنا، ذات صلة بتطبيق الدين في جوانب كثيرة من هذه الحياة، فقدم لنا دروساً عن الأنبياء -عليهم السلام- وقدم لنا دروساً عن نماذج إيمانية من خارج سيرة الأنبياء -عليهم السلام- مثل حديثه عن أصحاب الكهف كنماذج إيمانية راقية، ويقدم من خلال ذلك دروساً مهمة في جوانب أساسية معينة، ومثل حديثه عن مؤمن آل فرعون، مثل حديثه كذلك عن مؤمني أهل القرية في سورة يس، وكذلك فيما يتعلق بجانب النساء، مثل حديثه عن أم موسى -عليه السلام- مثل حديث القرآن الكريم عن أخت موسى -عليه السلام- مثل حديث القرآن الكريم عن امرأة فرعون، مثل حديث القرآن الكريم عن امرأة عمران، مثل حديث القرآن الكريم عن الصديقة الطاهرة مريم العذراء، وهكذا نجد حديثاً وعرضاً لنماذج راقية، نماذج مهمة، نماذج صحيحة، قدوات حسنة، ننشد إليها عندما نتجه في الواقع التطبيقي لتعاليم الله وتوجيهاته -سبحانه وتعالى- ننشد إليها في مسيرتنا الإيماني، لهذا أهمية لجوانب متعددة:

الأول منها: أنها تلك النماذج تقدم شاهداً على إمكانية تطبيق التعليمات والتوجيهات الإلهية، أنها مسألة ممكنة في الواقع البشري، وداخله في حيز المستطاع والممكن للإنسان؛ لأن البعض مثلاً في سياق تنفيرهم عن التوجيهات والتعليمات والقيم والأخلاق الإلهية، يحاولون أن يصوروها وكأنها خارج المستطاع في واقع البشر، وفي إمكانيات البشر، وفي قدرات البشر، وفي طبيعة ظروف وحياة البشر، فتلك النماذج تقدم شاهداً على إمكانية التنفيذ والتطبيق والالتزام بتلك التعليمات والتوجيهات، والتجسيد العملي لتلك الأخلاق والقيم، تقدم شاهداً كذلك على إيجابية وعظمة وجمال تلك الأخلاق والقيم والتعليمات والتوجيهات، عندما تتحول تلك التوجيهات والتعليمات والأخلاق إلى واقع عملي، إلى ممارسة عملية، إلى سلوك في الحياة، يتجلى جمالها، جاذبيتها، أثرها في واقع الحياة، ما تتركه من أثر طيب، من أثر عظيم، من تأثير إيجابي في نفسية الإنسان، في أعماله في واقع الحياة، وهذا شيء في غاية الأهمية.

أيضاً تقدم النموذج الصحيح في عملية التطبيق، وهذه مسألة من أهم المسائل على الإطلاق؛ لأن الإسلام يأتي كتوجيهات، دين الله ورسالته تأتي كتوجيهات، وتعليمات، وتوصيفات، وأوامر معينة، في عملية التطبيق بشكلٍ صحيح، بشكلٍ سليم، نحتاج إلى النموذج؛ ولهذا يقدم الله رسله وأنبياءه كقدوة في أول مقام، في أعلى مقام، كقدوة بالدرجة الأولى هم، عندما يقول الله -سبحانه وتعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: من الآية21]، يقدم الرسول كقدوة وكأسوة، من حيث طريقة التطبيق الصحيح، أسلوب التطبيق الصحيح، أسلوب العمل الصحيح، الممارسة الصحيحة، الالتزام الصحيح، وفي نفس الوقت ما يتعلق بذلك من عطاء، من تضحية، من صبر، و…الخ. فهناك أهمية كبيرة، وجوانب كثيرة أثرت في عملية الانحراف والتحريف من هذا الجانب، عندما ترتبط الأمة برموز منحرفة، أو بقدوات سيئة وليست حسنة، هنا يأتي الخلل الكبير جدًّاـ، عندما ترتبط الأمة بنماذج تطبيقية خاطئة، أو مغلوطة، أو منحرفة؛ فتترك أثراً سلبياً- كذلك- في الاقتداء بها، وفي الحذو حذوها بالممارسة الخاطئة، بالتصرف غير الصحيح، بالتطبيق غير السليم، فالقدوات الحسنة والنماذج الصحيحة تقدم لنا عملياً النموذج الصحيح للدين، تقدم لنا بالتطبيق، بالممارسة، بالأداء، الحالة الصحيحة للدين، وهذا يمثل عاملاً مهماً في الهداية، وعاملاً مهماً في التحفيز والتأثر والتشجيع والانشداد، وعاملاً مهماً في الانجذاب عندما تتجسد تلك التعليمات والتوجيهات والأخلاق في واقع الحياة؛ فيتجلى جمالها وجلالها وأثرها الإيجابي.

فلذلك نجد هذا الحديث المتنوع في القرآن يقدم لنا مواقف، سلوكيات، أعمال، تعبر حتى عن الجانب النفسي، حتى عن المشاعر، حتى عن الوجدان لذلك النبي، أو لذلك المؤمن، أو لتلك المرأة المؤمنة، عندما تجد حديث القرآن الكريم عن نبي الله إبراهيم في مقامات متعددة، ومناسبات متنوعة، من تحطيمه للأصنام وهو في موقع يقدم فيه الهداية لقومه، والحجة عليهم، والتوضيح لهم، إلى مقامٍ آخر وهو في حالة الاستعداد التام حتى أن يذبح ابنه امتثالاً للأمر الإلهي، وتسليماً لأمر الله -سبحانه وتعالى- ومقامات أخرى متنوعة، في كل مقام دروس مهمة، مفيدة، ذات أثر مهم في نفسية الإنسان ومشاعره، والتزامه السلوكي، والأخلاقي، والتربوي، والقيمي.

وهكذا حديث القرآن عن غيره من الأنبياء، حديث القرآن الكريم عن مؤمنين، نماذج إيمانية من غير الأنبياء، حديث القرآن الكريم عن نماذج من النساء ذات الدور التاريخي والعظيم والمهم، وذات الالتزام الأخلاقي والقيمي والإيماني العالي.

هنا نجد أهمية أن نستفيد من هذه المناسبة، ونحن نتحدث في هذه المناسبة عن أرقى وأسمى نموذج قدمه الإسلام للمرأة الصالحة، للمرأة المؤمنة، عن أرقى نموذج عالمي (فاطمة الزهراء)، وسنأتي للحديث.

كذلك فيما يتعلق بالجانب الآخر في مواجهة التحديات، جزء كبير من معركتنا مع أعداء الأمة هو يتجه إلى المعركة: معركة التصدي للغزو الثقافي والفكري، والاستهداف المعادي لهذه الأمة في مبادئها وقيمها وأخلاقها، في إيمانها، وهذه معركة مهمة وخطيرة للغاية، هذا الجانب فيها: (استحضار النماذج الصحيحة، والارتباط بالقدوات الحسنة)، هذا الجانب جانبٌ رئيسيٌ وأساسيٌ للصمود في هذه المعركة، للمواجهة في هذه المعركة، للتماسك في هذه المعركة، للثبات في هذا الميدان.

مسارات الأعداء وطرق الحماية

الأعداء هدفهم الرئيسي الذي يسعون لتحقيقه في معركتهم معنا كأمةٍ مسلمة، هو ماذا؟ هو السيطرة علينا، الأعداء يسعون إلى السيطرة عليك كإنسانٍ مسلم، سواءً كنت رجلاً، أو كانت امرأة، هم يريدون أن يسيطروا على الجميع، سيطرتهم علينا يستخدمون فيها وسائل متعددة، والمقصود بهذه السيطرة من واقع عدائي، يعني: يسعون إلى السيطرة علينا كأعداء لنا؛ بهدف استغلالنا واستعبادنا، والاستحواذ علينا.

في هذه المعركة يتجهون في مسارات خطيرة على المستوى الثقافي والفكري، على مستوى التأثير النفسي والفكري والثقافي، أن يسيطروا على نفسيتك، وأن يسيطروا على فكرك، وعلى ثقافتك، وعلى توجهك في نهاية المطاف، وهم يخوضون حرباً شرسة، يستخدمون فيها الوسائل الكثيرة جدًّا، ويستغلون فيها كل حالات الانحراف والتحريف والخلل في داخل الأمة، فيوظفونها بكل ما يستطيعون، وبأقصى ما يتمكنون؛ للتأثير على هذه الأمة، وصولاً إلى السيطرة عليها في النفوس، في الأفكار، في التوجهات، وحينها يصبح هذا الإنسان مستغلاً لهم، ومسخراً لخدمتهم، ويتحكمون به بالريموت، يصبح مبرمجاً على نحو ما يريدونه هم؛ فيحركونه بريموتهم: ريموت السيطرة الثقافية، السيطرة الفكرية، السيطرة على النفوس، على النفسية، على التوجه؛ حينها يتحكمون بهذا الريموت الخطير على الإنسان، ويحركونه مستغلين له كما يشاءون ويريدون، يتحول دوره في هذه الحياة كإنسان، يتحول الدور للأمة كأمة فيما يفيد أولئك الأعداء دوراً استغلالياً خدمياً، أمة تشتغل بكل طاقاتها، بكل إمكاناتها، بكل قدراتها، في ما يخدم أعداءها، في ما يحقق مصالح أعدائها، هذا ما يسعى له الأعداء.

أهم ثمرة للإسلام، وأول ثمرة للإسلام هو: أنه إذا التزمنا به بشكلٍ صحيح، ووعيناه بشكلٍ سليم، والتزمنا به بشكلٍ سليم، يحمينا من هذا: يحمينا من الاستغلال، من الاستعباد من قبل الطاغوت، من قبل أعداء الأمة، يبنينا لنكون أمةً حرة، أمةً مستقلة، أمةً متخلصة من التبعية لأعدائها، من التأثر بأعدائها، من الخضوع والخنوع لأعدائها؛ ولذلك الإسلام في برنامجه، في تشريعاته، في توجيهاته، في تعليماته، في مشروعه للحياة، في رموزه؛ هو يعطينا هذه الثمرة: يحررنا، يعطينا الاستقلال، يخلصنا من التبعية للقوى الطامعة، لقوى الطاغوت المستكبرة التي تنظر إلى البشر وما بأيدي البشر كمجرد حيوانات وقطيع، ومدَّخرات وثروة تستغلها لمصالحها وأطماعها ورغباتها.

فنحن في هذه المناسبة عندما ندرك أننا نخوض معركة كبيرة مع أعدائنا، وأننا بحاجة إلى الاحتماء ثقافياً ونفسياً، وأن العدو يتجه للسيطرة على أفكارنا وعلى نفسياتنا، ويسعى بكل جهد إلى إفسادنا؛ للسيطرة علينا، ندرك أن جزءاً رئيسياً في هذه المعركة الثقافية والتربوية يتجه صوب المرأة، الكل مستهدف: الرجل مستهدف، الطفل مستهدف، الشاب مستهدف، الشابة، المرأة- بشكلٍ عام- مستهدفة، هم يستهدفون الجميع، ولكن هناك مساحة من معركة العدو، ويركز فيها العدو بشكلٍ كبير على المرأة، لماذا المرأة؟ المرأة في موقعها في الأسرة، وبالتالي المرأة في موقعها في المجتمع، الأعداء يسعون إلى التركيز في تفكيك المجتمع المسلم، بدءاً بتفكيك الأسرة، ودعامة الأسرة، وأم الأسرة، والقاعدة الأساسية للأسرة هي المرأة، هي المرأة من موقعها كأم، ومن موقعها كزوجة، لها دور أساسي جدًّا في الأسرة، المجتمع الإسلامي المستهدف من أعدائه مكونٌ من لبنات، اللبنة فيه هي الأسرة، هذه اللبنة إذا حطمت، إذا فككت، ينتج بالتالي تفكيك للمجتمع الإسلامي؛ وبالتالي تسهل السيطرة عليه، والتغلب عليه.

ولذلك الإسلام يلحظ هذا الجانب: كيف يحمي هذا المجتمع كمجتمع، ويحمي لبنات هذا المجتمع، يحمي اللبنة الأساسية التي هي الأسرة، وداخل الأسرة، دعامة الأسرة، أم الأسرة، قاعدة هذه الأسرة التي هي المرأة، يقدم لها الحماية، ويصونها من هذه الهجمة التي تستهدفها في ثقافتها، في فكرها، في نفسيتها، في أخلاقها، في روحيتها، وبالتالي في توجهها، وبرنامجها العملي، واهتماماتها في هذه الحياة.

الأعداء وعنوانهم الزائف:(حقوق المرأة)

لاحظوا، الأعداء يتظاهرون بأن لديهم اهتمام كبير بالمرأة، ويتحركون تحت عنوان حقوق المرأة بأنشطة متنوعة، وبرامج متنوعة، ومشاريع عمل متعددة، ولكن إذا جئنا إلى هؤلاء الأعداء، كيف هم أولاً في ثقافتهم، وكيف هم ثانياً في ممارساتهم وسلوكياتهم، وكيف هي طبيعة برامجهم هذه واهتماماتهم هذه، ثم نأتي أيضاً إلى تصرفاتهم تجاه واقع المرأة في عالمنا الإسلامي، وفي شعوبنا المظلومة والمستضعفة، ثم نأتي بالتالي إلى الإسلام، وما يقدمه الإسلام؛ نجد الفوارق الكبيرة، يتضح لنا الصحيح من السقيم، يتضح لنا أين هي العناية الصحيحة، العناية التي هي عناية- بحق- بالمرأة، وتهدف- بحق- إلى الاهتمام بالمرأة، وإلى حماية المرأة، إلى العناية بها في دورها المهم في هذه الحياة.

الأعداء الذين يتحركون تحت عنوان (حقوق المرأة)، هم في ثقافتهم، وهم في ممارساتهم، وهم في سياساتهم أكبر خطر على المرأة، من يشكلون خطورة كبيرة على المرأة، كما يشكلون خطورة كبيرة على الرجل، ويشكلون خطورة كبيرة على الأمة بكلها، ثقافتهم- في الأساس- هي ثقافة تنظر إلى المرأة نظرةً سلبية، الصهاينة وهم من يقودون المجتمع الغربي، وهم من يتحكمون بسياساته وتوجهاته، لديهم ثقافة سلبية جدًّا عن المرأة، إلى أنها رمزٌ للشر، وعنصرٌ بيد الشيطان، وأنها بدءاً من حواء -عليها السلام- أم البشر، وزوجة آدم، كانت هي السبب الأساسي في إغواء آدم، ومن جرته إلى الأكل من الشجرة، وأنها التي ورطته في المعصية… وهكذا. كثير من نصوصهم، من تعبيراتهم في ثقافتهم تعبر عن هذه النظرة السلبية للمرأة: إلى أنها عنصر شر، وعنصر فساد، وعنصر خطر، وأنها هي التي ورطت الرجل إلى المعصية، والتي دفعته إلى طاعة الشيطان، وأن الشيطان اعتمد عليها في ذلك، ثم تجد في سياساتهم على- سياساتهم العملية، برامجهم العامة- ما يتجه نحو الاستغلال السلبي للمرأة، وكأنها سلعة رخيصة، حولوها إلى وسيلة للفساد، هدموا كرامتها، استهدفوها في عفتها، في طهارتها، أخرجوها من حيز الصيانة، ومن كل التشريعات الإلهية التي تحميها وتصونها، وتحفظ لها عفتها وطهارتها ودورها الإيجابي في الحياة، وخرجوا بها عن ذلك إلى اتجاهات ومسارات وبرامج تبعدها عن كل ذلك؛ فأسهموا إلى حد كبير في توجيه ضربات موجعة للمجتمع البشري، حتى في مجتمعاتهم هم، الآن في المجتمع الغربي (في أمريكا، وفي أوروبا) هناك معاناة كبيرة جدًّا من التفكك الاجتماعي، من التفكك الأسري، هناك انهدام كبير لهذا البنيان، ويترتب على ذلك نتائج كارثية في واقع الناس هناك، في حياتهم، في سلوكياتهم، وهناك كثير من الحكايات التي تحكي لنا ما وصل إليه واقعهم في ما يتعلق بهذا الجانب، لا يتسع الوقت للحديث عنها.

أساليبهم في تمزيق النسيج الاجتماعي

ثم هم يتجهون إلى مجتمعنا بنفسه، الذي لا يزال من أهم ما فيه من بقايا آثار الإسلام وبركة الإسلام قدر جيد من التماسك الأسري، وهذا الترابط الأسري، والتقديس للأسرة، والارتباط الأسري، يتجهون إلى هذا المجتمع لتفكيكه، كما فككوا بقية المجتمعات، ويستمرون في تفكيكها.

توجه لتفكيك هذه الأسرة والاستهداف لها تحت عناوين، يحرصون أولاً على إثارة التباينات في داخل الأسر، إثارة التباينات: التباينات ما بين الرجل والمرأة، قدموا المرأة عالماً لوحدها، والرجل عالماً لوحده، ثم يأتون إلى المرأة لتحريضها باتجاه أن تتحرك للحصول على حقوقها، وأن تكون شريكاً في هذه الحياة بنمط آخر، بطريقة أخرى، من باب التباين، والتنازع، والتنافس، والاختلاف، والتصارع؛ بينما هي شريك طبيعي في واقع الحياة.

واقع الحياة قائم ما بين الرجل والمرأة على الارتباط التلقائي والمباشر، وسنتحدث عن هذه النقطة عندما نأتي إلى ما قدمه الإسلام وما يقدمه الإسلام. هم لا، لا يريدون أن يتحرك الجميع ككيان واحد، وتوجه واحد، حياته مرتبطةٌ {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} كما يعبر القرآن الكريم. |لا|، يريدون أن يأتوا باتجاهات لإثارة تباينات، ثم يتحرك كل صنف لوحده: الرجال لوحدهم، والنساء لوحدهم، ويبدؤون بالتصارع والتنافس، وكلٌ يطالب بحقوقه، وكلٌ ينازع الطرف الآخر، وكل طرف يحرض ضد الطرف الآخر، فالمرأة تحرض ضد الرجل، والرجل يحرض من هناك ضد المرأة، ويشتغلون على هذا النحو مع بقية الفئات.

ومؤخراً ألحقوا أيضاً عنوان الشباب لوحدهم، ومن العجيب جدًّا حتى عندما يأتي حوار سياسي مثلاً يقول لك: يأتي تمثيل للمكونات (المكونات السياسية في المجتمع مثلاً)، هذا حصل حتى عندنا في اليمن، طبعاً يأتي من يمثل المكونات السياسية في المجتمع، بعد ذلك يقولون يأتي تمثيل للنساء، خارج التمثيل للمكونات، بينما كل مكون فيه: رجال، ونساء، وكبار، وصغار، وشباب، لكن أرادوا أن يكون هناك تصنيف سياسي خارج التصنيف الذي يأتي إلى المكون كمكون من أبناء المجتمع بكل فئاته من: رجال، ونساء، وكبار، وصغار، وشباب، وشيوخ. |لا|، أرادوا تصنيفاً آخر، تصنيفاً للشباب، وكأنهم فئة لوحدها، وللنساء، وكأنهن فئة لوحدها، ثم يأتي تصنيف سياسي: سياسية للشباب لوحدهم، سياسية للنساء لوحدهن، بقي من؟ الشيبات والجهال والصغار! يعني أسلوب غريب جدًّا في تفكيك المجتمع تحت كل العناوين، وتحت كل الأوصاف، في تفكيك الأسرة، تخيلوا أسرة يأتون إلى الكبير فيها (كبير الأسرة) ليقولوا له: [أنت لوحدك، تفضل نفتح لك مسار سياسي]، ويأتون للمرأة يقولون: [أنت هناك يفتح لكِ مسار سياسي آخر]، ويأتون إلى الشاب، يقولون: [وأنت تعال هنا مسار سياسي آخر]، ويأتون- في الأخير- إلى الطفل، ويقولون: [تعال وأنت هناك مسار…]، تفكيك عجيب، وبعثرة عجيبة، نقول لهم: يا جماعة كل مكون فيه شباب، فيه مرأة، فيه رجال، فكيف تأتي بتصنيف سياسي للمرأة خارج المكون الذي فيه: مرأة، ورجل، وشاب، وشابه، وكبير، وصغير؟! يقول لك: [إلا، ضروري الشباب يُمثَّلون، وضروري المرأة تمثل، وضروري الطفل هناك يكون له- في الأخير- من يمثله]، بعثرة وتفكيك وتمزيق للنسيج الاجتماعي، ويرسمون هم هذه العناوين، ومسارات ترتبط بها تذهب بالناس هناك بعيداً عن بعضهم البعض، القرآن يأتي بعبارة جميلة جدًّا: {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}، أنتم كيانٌ واحد، أصلٌ واحد، لكن هم يأتون لإثارة هذه التباينات، ويبنون عليها هكذا تباينات سياسية، تباينات في مسارات الحياة، هذا عنوان يشتغلون عليه بشكلٍ كبير: إثارة المرأة ضد الرجل، والرجل ضد المرأة، والشاب ضد الكبار والشيوخ، وضد الكهول، وهكذا يتحركون بالإنسان في كل اتجاه.

سعيهم لتحويل المرأة إلى عنصر فاسد ومفسد

ثانياً: التركيز بشكل كبير جدًّا على الإفساد للمرأة، على الإفساد للمرأة، والضرب لنفسيتها وفكرتها، وتحويلها إلى عنصر لإفساد الآخرين، وهذا واضح، ما يركز عليه الغرب حالياً، ما تركز عليه منظماته في طبيعة برامج عملها، التي تتحرك- دائماً- تحت عنوان التنمية البشرية، ما تركز عليه في برامجها الثقافية والتعليمية تتجه نحو هذا الجانب: التركيز على إفساد المرأة، أولاً يحاولون أن يبعدوها عن الالتزام بالضوابط الشرعية التي هي لحمايتها، فيأتون ليشجعوا على الاختلاط، على العلاقات الفوضوية بين الرجال والنساء، التي لا تبقى مضبوطة بالضوابط الشرعية، يخرجون المرأة من محيطها المحصن، محيطها الأسري المحمي بتشريعات إلهية، لتصبح امرأة منفتحة على علاقة بالجميع، ومن دون أي ضوابط، وتدخل في ارتباطات هنا وهناك، وتنفتح في حياتها على علاقات لا ضوابط لها، وعلى ارتباطات ليس فيها أي حواجز، هذه النقطة يركزون عليها بشكلٍ كبيرن وينفذون من خلالها إلى إفساد المرأة، ثم إلى استغلالها كوسيلة إفساد للآخرين، وهذا واضح، بأدنى تأمل يرى ذلك الإنسان بوضوح في برامجهم العملية، كيف يحاولون أن يخرجوا المرأة من محيطها المحصن.

لاحظوا، القرآن الكريم جعل هناك تنظيم لعلاقة المرأة في محيطها الأسري، كيف علاقتها مع زوجها، مع الآخرين، مستوى التستر، الانضباط، الحشمة… الخ. أحاط المرأة بتشريعات تحميها، تصونها، تحافظ عليها، تحافظ على عفتها، على كرامتها، على شرفها، على نزاهتها، يشجعون السفور والابتذال، والجريمة الأخلاقية، هذا شيء واضح جدًّا، وتأتي منظمات تشتغل في بعض المجتمعات حتى في التمهيد لانتشار مرض الإيدز، ويشجعون على ارتكاب الجريمة، ويعدون الناس بأن سيقدمون لهم المساعدات التي تساعدهم في مكافحة هذا الوباء؛ لأنهم يدركون أن لانتشار الجريمة الأخلاقية والفساد الأخلاقي آفات اجتماعية، وآفات صحية، وآفات كارثية على أي بلد تنتشر فيه هذه الأمراض الخطيرة جدًّا، والأوبئة السيئة للغاية.

فهم يتجهون إلى إفساد المرأة، وإلى تحويلها إلى عنصر إفساد في المجتمع، وهم يشوهون في نظرها التشريعات الإلهية التي تحميها، وتحافظ عليها، وتساعدها على أداء دورها المهم في هذه الحياة، يشوهونها في نظرها، ويصورونها بأنها تشريعات تعبر عن تخلف وانحطاط، ويصورون في نظرها الحشمة، والعفة، والطهارة، والصيانة الأخلاقية، والسلامة الأخلاقية، يصورون كل هذا بأنه تخلف، ويصورون الابتذال، والسفور، والفوضى في العلاقات، والارتباطات المنفتحة التي لا يضبطها ضابط… يصورون هذا بالتقدم، والتطور، والحضارة، ويقدمون له العناوين البراقة، متى كان الابتذال، متى كانت الفاحشة، متى كانت الجريمة حضارة، متى كانت تقدماً، متى كانت عاملاً إيجابياً لصلاح أي مجتمع، أو لبناء أي مجتمع بناءً صحيحاً؟! لكن هذا هو شغل الشيطان وشغل أوليائه، يعملون على هذا النحو، ويحرصون على تحويل المرأة إلى امرأة تتجه هذا الاتجاه في واقع الحياة، وهم يرخصونها بذلك، هم يسيئون إليها بذلك، هم يستهدفونها بذلك، ثم يحرصون على التحكم في تفكيرها، في توجهها، ويرسمون لها أنشطة في هذه الحياة ذات دور سلبي وتخريبي وهدام عليها، وعلى المجتمع من حولها، وصولاً إلى السيطرة عليها، كما السيطرة على بقية أبناء المجتمع.

في واقع الحال، بأدنى تأمل، كيف هي اهتماماتهم في ما يمثل حماية حقيقية للمرأة في عالمنا الإسلامي، تجد أنهم هم من يستهدفون المرأة في فلسطين، من يدعمون إسرائيل، وإسرائيل التي هي جزءٌ منهم، جزءٌ من المجتمع الغربي في تفكيره، في نزعته الاستعمارية، في تسلطه على الأمة، في عدائه للمسلمين، يدعمون إسرائيل لقتل المرأة الفلسطينية، لسجن المرأة الفلسطينية، لاستباحة المرأة الفلسطينية، لمضايقة المرأة الفلسطينية، لظلم المرأة الفلسطينية، هل قدموا ما يحمي المرأة في فلسطين من الخطر الإسرائيلي، أم أن المرأة في فلسطين قد قتلت بسلاحهم، وسجنت بفعل حمايتهم السياسية للكيان الصهيوني، ودعمهم المفتوح له؟

المرأة عندنا في اليمن ألم تقتل بالقنابل الأمريكية، والقنابل البريطانية، والأسلحة الفرنسية، وأسلحة من دول أوربية متعددة؟ ألم تقتل عندنا وتستشهد المئات من النساء بالسلاح الأمريكي والغربي؟ الأطفال كذلك متى وفروا لهم حماية؟ لو كانوا حريصين فعلاً، ولديهم مصداقية تجاه عنوان حقوق المرأة، لكان الموقف آخر، لما سمحوا لهذا القتل الذريع والوحشي والإجرامي، والاستهداف غير الإنساني، الاستهداف الوحشي- بكل ما تعنيه الكلمة- للمرأة والكبير والصغير في بلدنا، فلا هم في سياساتهم، ولا في ثقافتهم، ولا في ممارساتهم، ولا في توجهاتهم يبالون بالمرأة في عالمنا الإسلامي، بل هم يسعون لاستهدافها.

منهجية الإسلام في رعاية المرأة

أما عندما نأتي إلى الإسلام وما يقدمه الإسلام، فالإسلام، منذ أتى الإسلام من أول ما ركز عليه الاهتمام بالمرأة، وبطريقة ومنهجية إلهية عظيمة، تتطابق مع الفطرة، ومع التكوين الاجتماعي والبشري الذي كوّن الله به المجتمع البشري، الإسلام يوم أتى كانت المرأة في كل المجتمعات: في المجتمعات التي تنتمي إلى المسيحية، والمجتمعات اليهودية، والمجتمعات الوثنية، كانت المرأة محتقرة، ومظلومة، ومهانة، ومضطهدة، ومعذبة؛ أما في المجتمع العربي فكانت- بالنسبة لكثيرٍ من العرب- كانت عاراً، وكانوا ينظرون إليها أسوء نظرة، كما يعبر القرآن عن ذلك في قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ}[النحل: 58-59]، يختبئ من الناس كي لا يعرفوا أنها قد ولدت له بنت، { يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ}، (يُمْسِكُهُ): يعني يحافظ عليه ويبقيه على قيد الحياة؛ بينما يتوجه إليه من المجتمع ومن الناس اللوم، والإساءات، والعبارات المسيئة، {أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} أم يدفنه حياً، ويقتله بتلك الطريقة الوحشية: بالدفن حياً، { أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ}؛ أما اليهود فبنظرتهم إلى المرأة التي يعتبرونها عنصر شر وخطر، في الواقع في بقية المجتمعات لا يختلف عن ذلك.

جاء الإسلام ليقدم النظرة الصحيحة والفكرة الصحيحة، وليتخاطب مع المجتمع البشري، وليعيد بناء المجتمع البشري على الأساس الصحيح والسليم، يأتي القرآن فيقول الله -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء}[النساء: من الآية1]، يأتي ليعيد الاعتبار للمرأة أنها إنسان، أنها هي والرجل كيانٌ واحد، أصلٌ واحد، نوعٌ واحد، كائنٌ واحد؛ إنما ذاك ذكر، وتلك أنثى، ومن أصلٍ واحد، كلاهما من أصلٍ واحد: {الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}، ليزيح هذه النظرة السلبية، وليزيح معها تلك التفرقة، التي هي تؤسس لاتجاهات متباينة في الحياة، تساعد على تفكيك الأسرة وبعثرة الأسرة، كيانٌ واحد يبنى به المجتمع، أسرة تبنى على نحوٍ واحد، مترابطة، ولديها النظرة الإيجابية، بعيداً عن نظرة الاحتقار، أو عن نظرة العدائية والنظرة السلبية، أو عن النظرة هذه الجاهلية التي ترى في المرأة عاراً. |لا|، كيان واحد، الجميع إنسان، المرأة إنسان، والرجل إنسان، كلاهما من نفسٍ واحدة، كلاهما كيانٌ واحد، حياتهما مرتبطةٌ ببعض.

وهكذا يأتي القرآن الكريم، وتأتي رسالة الله مع كل الرسل والأنبياء عبر كل التاريخ لتحافظ على هذه الحقيقة، ولتبني واقع البشر في مسيرة حياتهم على أساس هذه الحقيقة، ولتفتح المجال للارتقاء الإنساني والأخلاقي والقيمي والعملي والإيماني أمام الجميع، للذكر والأنثى، فيقول الله -سبحانه وتعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}[النحل: الآية97]، ليقول: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}[آل عمران: من الآية195]، أنتم كيانٌ واحد، أصلٌ واحد، والله -جلَّ شأنه- فتح لكم مسار الارتقاء الإنساني والإيماني والأخلاقي، والمنزلة عند الله، والوصول إلى ما وعد الله به من الخير العظيم، والفوز العظيم، والأجر الكبير، مجال مفتوح للجميع، ليس خاصاً بالرجل، ومغلقاً في وجه المرأة، ليس مفتوحاً للذكر، ومغلقاً في وجه الأنثى. |لا|

نموذج المرأة المسلمة وطريق السمو والرقي

وقدم النماذج التي ارتقت من النساء, ترتقي نماذج، فتصل إلى مستويات عالية، لا يصل إليها الكثير من الرجال، المستوى الذي وصلت إليه الصديقة الطاهرة مريم العذراء -عليها السلام- مقام عالٍ جدًّا، اصطفاها الله -سبحانه وتعالى- وطهرها، خاطبتها الملائكة عن الله، {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ}[آل عمران: الآية42]، نماذج كثيرة في التاريخ من النساء ارتقت على المستوى الأخلاقي والإنساني والقيمي حتى وصلت إلى مراتب عالية جدًّا.

خديجة أم المؤمنين، زوجة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم– أم الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، هي كذلك من هذه النماذج العظيمة جدًّا، والتي ارتقت في سلم الكمال الإنساني والأخلاقي إلى مستويات عالية، وبلغت في مرتبتها الإيمانية مرتبةً أن بعث الله إليها بسلامه مع جبريل -عليه السلام- فيما روي عن رسول الله –صلوات الله عليه وعلى آله– الله -جلَّ شأنه- يبلغها سلامه عبر جبريل إلى محمد، ويبشرها ببيتٍ في الجنة، ليقول: أن السمو، أن الكمال للرجل وللمرأة هو بالسمو الأخلاقي والإنساني والقيمي، وأنه الذي يتيح للإنسان (رجلاً أو امرأة، ذكراً أو أنثى) ليؤدي دوراً إيجابياً وبناءًفي هذه الحياة، فالإنسان- ذكراً أو أنثى- يسموا، يشرف، يكون له دورٌ إيجابيٌ وصالحٌ في هذه الحياة، بقدر ما يرتقي على المستوى الإنساني، على المستوى الأخلاقي، على المستوى القيمي، المرأة لا تصبح مهمة وذات دور مهم وإيجابي في الحياة بقدر الابتذال، بقدر السفور، بقدر العلاقات الفوضوية، بقدر السقوط الأخلاقي. |لا|، هذا هوان، هذا انحطاط وسقوط، لا يمثل بأي نسبة لا عن أهمية، ولا عن كرامة، ولا عن دورٍ بناء… ولا عن أي شيء أبداً، الإنسان من واقع إنسانيته، من واقع أخلاق وقيم ومبادئ عظيمة يمكن له أن يكون له دور إيجابي ومفيد في هذه الحياة، وأن يكون له منزلة عظيمة عند الله، كون مريم -عليها السلام- أو خديجة، أو أم موسى، أو امرأة عمران، كون فاطمة الزهراء -عليها السلام- امرأة، كونها أنثى لم يحُل بينها وبين أن يكون لها منزلة عظيمة جدًّا عند الله، ومرتبة متقدمة في الواقع البشري على المستوى الأخلاقي، على المستوى القيمي، على مستوى المنزلة عند الله، فتتفوق حتى على الكثير الكثير جدًّا من الرجال في ذلك.

على المستوى المعرفي، على مستوى الدور الإيجابي في هذه الحياة، كل هذا يأتي من خلال رسالة الله، وفي ظل أنبيائه. قدم الإسلام، وقدمت رسالة الله مع كل الأنبياء التشريعات والتعليمات والتوجيهات التي تصون المرأة، وتحافظ عليها، وتتيح لها هذا الارتقاء في سلم الكمال الإنساني والأخلاقي، والقيام بدور إيجابي في هذه الحياة.

المرأة ودورها الأساسي

وهذا الدور يأتي بدءاً من دورها في المنزل، ودائماً يركز الأعداء على تشويه هذا الدور الذي هو في مقدمة الأدوار ذات الأهمية الكبيرة جدًّا، هناك حيث تنشئة الناس، تنشئة الرجال والنساء، المسؤولية في هذا الدور بالدرجة الأولى، والدور المهم جدًّا في هذا الجانب يأتي إلى المرأة في موقعها كأم، إذا كانت أُماً صالحة، أماً زكية، أمةً تتمتع بتلك الأخلاق والقيم، وأمة تحوز تلك المواصفات الإيمانية والإنسانية والأخلاقية؛ ستسهم بشكل كبير جدًّا في مجال التربية، تربية الرجل نفسه، كل رجل هو ابن امرأة، ما عدا آدم -عليه السلام- الذي خلق الله منه زوجته حواء، {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}.

فهذه التنشئة وهذا الدور الرئيسي والمحوري يراد للمرأة أن تتركه، وأن تنبذ طفلها إلى دور الحضانة، وأن تتجه هي إلى الشارع بعيداً عن المنزل، هذا الدور يراد للمرأة أن تعطله، الذي يحتاج إلى ما وهبها الله وأعطاها من حنان وعاطفة ورحمة؛ حتى تمتزج بتلك الرحمة وذلك الحنان وتلك العاطفة قيم هذا الدين، القيم الإلهية، مكارم الأخلاق، وبامتزاجها تنشئ من خلالها أبناءها وبناتها؛ فينشأ جيل صالح، تؤدي دورها مع زوجها، وتؤدي كزوجة كدور مساعد ومهم جدًّا في هذه الحياة.

فالمرأة دورها في الأسرة هي قاعدة الأسرة، منبت الأسرة؛ هي دعامة هذه الأسرة التي تبنى عليها الأسرة بكلها، متى كانت صالحة تركت أثراً كبيراً جدًّا، وصالحاً، ثم دورها مع زوجها، ودورها- قبل ذلك- في ظل أسرتها في إطار المجتمع، دور واسع جدًّا ودور مهم، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[التوبة: من الآية71]، فهي تأتي في ظل الدور العام شريكةً في التضحية، في العناء، شريكةً في الدور العام في كل اتجاهاته ومساراته، من موقعٍ مصون، من موقعٍ محفوظ، وليس من واقع الفوضى، والابتذال، والعلاقات الفوضوية، والانفتاح غير المنضبط. |لا|، من موقعٍ مصان وموقعٍ محفوظ، تأتي اسهاماتها العظيمة في كل المجالات، تأتي إسهاماتها من خلال أبنائها، من خلال بناتها، إسهامات صالحة، إسهامات مضبوطة بالضوابط الشرعية، إسهاماتها مع زوجها، إسهاماتها مع أبيها… إسهامات مهمة جدًّا في هذه الحياة، وبقدر قدراتها ومواهبها، التي تختلف من امرأة إلى أخرى ومن رجل إلى آخر.

فاطمة الزهراء النموذج الأرقى

فالإسلام هو يلحظ هذا الدور، ويقدم النماذج الراقية جدًّا، نموذج فاطمة الزهراء -عليها السلام- امرأة، أنثى، هذه المرأة التي قال عنها رسول الله –صلوات الله عليه وعلى آله– أنها (سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء المؤمنين، وسيدة نساء أهل الجنة)، وهذا التعبير ليس مجرد أوسمة للافتخار، أو ألقاب فارغة من المضمون. |لا|، تعبير الرسول –صلوات الله عليه وعلى آله– تعبيرٌ بالحق، وليس مجرد ألقاب تمنح لهذا وذاك.

(سيدة نساء العالمين) يعبر عن أنها بلغت في مرتبتها الإيمانية والإنسانية والأخلاقية، وفي سلم الكمال الإنساني والإيماني والأخلاقي إلى أعلى مرتبة في النموذج للمرأة، وفي واقع النساء هذ المرأة هي أكمل امرأةٍ في إيمانها، في موقعها في موقع القدوة لكل النساء، تتطلع إليها المرأة- في كل جيل وفي كل عصر- كيف كانت كأنثى وكمرأة فيما هي عليه من طهارة وعفة، وتبتل إلى الله وإيمان، فيما بلغته في القيمة الإنسانية، والأخلاقية، والتربوية، والمعرفية… في كل المجالات، تستفيد، تنشد، تتأثر بنموذج عظيم، التأثر به يزيدها صلاحاً، يجلي في واقعها قيمة تلك القيم، وأثر تلك القيم في الإنسان وفي حياته، في الإنسان في روحيته وفي سلوكه وفي ممارساته، وفي ما يترتب على ذلك من منزلة عظيمة وعالية عند الله -سبحانه وتعالى- فهي على المستوى العالمي النموذج رقم واحد الذي تتطلع إليه المرأة كمرأة في موقع القدوة، والذي ينظر إليه البشر إلى أنه في الصدارة في سلم الكمال الإنساني والأخلاقي والإيماني.

ثم عندما يقول: (سيدة نساء المؤمنين)؛ لأنه مواصفات إيمانية، اعتبارات إيمانية، مرتبة إيمانية بلغت بها ذلك المستوى، ثم عندما يقول: (سيدة نساء أهل الجنة)؛ لأن هناك البعض من الناس قد يأتي له لقب من هنا أو هناك في هذه الدنيا، يتعصب له به قومه، أو شعبه، أو أصحابه، ولكنه لقب غير واقعي، يوم القيامة التي هي (خافضةٌ رافعة) لا يبقى أثر لتلك الألقاب التي لا واقع لها، ليست مطابقة للحقيقة، خلاص تنتهي وتتلاشى؛ لكن تلك المرتبة مرتبة إيمانية وواقعية، تنتقل أيضاً في عالم الآخرة لتكون حاضرةً في عالم الجنة في موقعها العظيم، في مرتبتها العالية، وهي مرتبة إيمانية، مرتبة أخلاقية، مرتبة إنسانية، مرتبة متقدمة.

فاطمة الزهراء -عليها السلام- لا يتسع الوقت للحديث عنها، – ألفت عناية وانتباه الأخوات والأمهات إلى أن هناك كتيبان مفيدان في هذا الجانب، كتيب للأخ الأستاذ العزيز/ يحيى قاسم أبو عواضة، (في رحاب فاطمة الزهراء) هذا اسم الكتيب، هناك كتيب للأخ العزيز الأستاذ/ حمود الأهنومي (تلك هي فاطمة الزهراء)، يمكن الاستفادة منهما-.

فاطمة الزهراء تربت في جوٍ عظيم، في بيئة عظيمة لا مثيل لها، عند والدها رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- في حضن أمها الصديقة خديجة، ونشأت نشأة عظيمة ومميزة وبقابلية عالية، يربيها الرسول، وهي في نفسها لديها قابلية عالية جدًّا؛ فارتقت ارتقاءً عظيماً من وقتٍ مبكر، في بداية شبابها وقد بلغت مراتب إيمانية عالية جدًّا، وإنسانية عظيمة.

النموذج الأكمل للأسرة المسلمة

تزوجت بالإمام علي -عليه السلام- زوّجها الرسولصلوات الله عليه وعلى آله-. عليٌ -عليه السلام- الذي هو- كما قال عنه رسول الله –صلوات الله عليه وعلى آله— في منزلته من رسول الله بمنزلة هارون من موسى، وفي اقترانها بالإمام علي -عليه السلام- كونت مع الإمام علي -عليه السلام- أسرةً عظيمة، كانت لبنة في وسط المجتمع البشري، وأسرة في وسط المجتمع الإسلامي، تقدمت في مرتبتها الإيمانية والأخلاقية وبلغت مرتبةً عاليةً وعظيمةً في ذلك، تلك الأسرة النبوية المكونة من رسول الله –صلوات الله عليه وعلى آله– الأب والوالد والمربي، والإمام علي -عليه السلام- التلميذ للرسول، والجندي لهذا الرسول، والذي هو منه بمنزلة هارون من موسى، فاطمة الزهراء -عليها السلام- بنت رسول الله –صلوات الله عليه وعلى آله– سيدة نساء المؤمنين، ونساء العالمين، ونساء أهل الجنة، التي بلغت هذه المرتبة كمرتبة إيمانية فيما بلغته من إيمان، وقيم، ومبادئ، وأخلاق، ومعارف إلهية، و…الخ. والحسن والحسين ابني عليٍ وفاطمة، وبقية أولاد فاطمة الزهراء -عليها السلام- هذه الأسرة شكلت نواةً طيبة، أسرةً صالحةً قدمت نموذجاً ارتقى بالإيمان والأخلاق، والقرب من الله -سبحانه وتعالى-؛ فكانت خير نموذج وقدوة في العبودية لله -سبحانه وتعالى-.

عندما ننظر إلى النموذج للأسرة المسلمة الذي يجب أن تحذوا حذوه كل أسرة، هذا هو النموذج، نموذج نتعلم منه كيف نُعَبِّد أنفسنا لله؛ فنتفانى في طاعته، وفي الالتزام بأمره، في توجيهاته، في المحبة له، فنتحلى بالقيم والأخلاق الإيمانية، فنسير في هذه الحياة في واقعنا البشري من واقع المحبة والروابط العظيمة، والنظرة بمحبة وإعزاز للناس من حولنا، هذه الأسرة التي  تعاملت مع الناس من هذا الموقع في القدوة لا بتكبر، ولا بظلم، ولا بإساءة، بل كانت أسرة جسدت إيمانها حتى في علاقتها بالناس، هذه الأسرة التي تقدم طعامها وهي جائعة وصائمة عند وقت الإفطار، عند وقت تناول العشاء، إلى المسكين واليتيم والأسير، وتؤثرهم على نفسها، وتبيت جائعة، ثم يقولون: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً} [الإنسان: الآية9]، هذه الأسرة تقدم النموذج للأسرة المؤمنة.

يوضح لنا حديث الكساء ما بلغته هذه الأسرة في إيمانها بالله، واستقامتها، وطهارتها، وقد دعا لهم الرسول –صلوات الله عليه وعلى آله– بعد أن شملهم بكساءٍ يمانيٍ، فقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، طهرهم تطهيراً)، وتقدم لنا الآيات المباركة في سورة الإنسان كيف كانت إنسانية هؤلاء الناس وهم يؤثرون بطعامهم المسكين واليتيم والأسير لوجه الله -سبحانه وتعالى- لنتعلم من ذلك أن السمو هو السمو بالأخلاق،  أن الارتقاء وأن الشرف هو بالإيمان وبالأخلاق، بالارتقاء الإيماني والروحي، بالالتزام الإيماني، بالعبودية لله -سبحانه وتعالى- بالاستقامة على منهج الله -سبحانه وتعالى- هذا الذي يرتقي بالإنسان.

فاطمة.. سيدة النساء وربة البيت!

فاطمة الزهراء -عليها السلام- برغم ما بلغته في مرتبتها الإيمانية، ومقامها العظيم عند الله، من موقعها كسيدة نساء المؤمنين ونساء العالمين عاشت ظروف هذه الحياة، وقامت بمسؤولياتها في المنزل والأسرة، ومع زوجها، وقبل ذلك في ظل ورحاب أبيها رسول الله –صلوات الله عليه وعلى آله– بشكلٍ طبيعي، سيدة نساء العالمين كانت تعد هي وجبة الطعام، لم تعتزل على كرسي، وتقول: خلاص أصبحت سيدة نساء المؤمنين، كيف أعجن، كيف أخبز، كيف أُعد الطعام، كيف أكنس المنزل، كيف أغسل الثياب، كيف كيف… |لا|، كانت تقوم بكل واجباتها المنزلية: تعد الطعام، تعجن، تخبز، تعد الطعام بشكلٍ كامل، تقدمه، تكنس البيت، تنظفه، تقوم بكل مسؤولياتها، تربي أبناءها… كل مسؤولياتها هذه، وأسهمت بشكلٍ رئيسي وعظيم وبارز في تربية أبنائها: الحسن، الحسين، زينب -عليهم السلام- لنتعلم من هذا درساً مهماً، عاشت حياتها في الظروف الاعتيادية للحياة، في عسرها ويسرها، وفي شدتها ورخائها، عاشت في مراحل ظروف صعبة جدًّا، وظروف متواضعة، وحتى مراسم الزواج لم تكن مكلفة، ولم تكن ضخمة، ولم يكن بملغ كبير، ولم تكن تكلفة الوليمة هائلة… كل شيء كان متواضعاً جدًّا، في كل هذا دروس.

الدروس الاجتماعية من حياة هذه الأسرة في حياة رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله– في واقعه مع زوجاته أمهات المؤمنين، ومع ابنته فاطمة الزهراء، ومع هذه الأسرة التي كانت مرتبطةً به (فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين)، في هذا الواقع بكله دروس كثيرة جدًّا على المستوى الأسري، وعلى المستوى الاجتماعي نحتاج إليها كمسلمين، وتفيدنا في الحفاظ على القيم والمبادئ والأخلاق، والسمو بها، وأيضاً تفيدنا في تحمل الصعوبات في هذه الحياة، وتحمل أعباء هذه الحياة، وفي مواجهة التحديات في الصراع مع الأعداء.

معركة المبادئ والقيم في مواجهة معاول الهدم

لابد لنا في معركة اليوم من تعزيز المبادئ والقيم؛ لأن التماسك المبدئي والأخلاقي هو الذي يحفظ للأمة ثباتها وتماسكها، حتى في معركتها العسكرية، حتى في مواجهتها بكل أشكال المواجهة مع أعدائها، لو فقد المجتمع مبادئه، لو فقد قيمه وأخلاقه، لو نجح أعداؤه في التأثير على تفكيره، على نفسيته، في ضرب قيمه وأخلاقه؛ لتحكموا به، ولهان، وضعف، واستعبد، وقهر، وتمكن أعداؤه من السيطرة التامة عليه.

من أهم الدروس التي يجب أن نعززها هي: نظرتنا من خلال ما يقدمه لنا الإسلام إلى كيف يجب أن نكون في واقعنا، الأسرة كأسرة، ثم المجتمع كمجتمع، مجتمع تقوم بنيته بشكلٍ عام على أساسٍ من هذه المبادئ، من هذه القيم، من هذه الأخلاق، مجتمع موحد، الأسرة فيه متوحدة، والمجتمع بكله المكون من هذه الأسر تتوحد وتجتمع كلمته، بناءً على هذه المبادئ، وعلى هذه القيم العظيمة المؤثرة المفيدة، التي لا يتسع المجال للحديث عنها.

الأعداء يستهدفوننا بكل معاول الهدم لبنيان هذا المجتمع، يسعون إلى التفرقة، إلى إثارة النزاعات حتى داخل الأسرة الواحدة، ثم يأتون إلى التفرقة تحت كل العناوين، من العناوين التي برزت والتي يشتغلون عليها بشكل كبير، ما قبل العدوان، ومنذ بدء هذا العدوان وإلى اليوم، ربما زادت وتيرة هذه العناوين، وربما اشتغلوا عليها بشكل أكبر منذ بداية العدوان، وفي هذه الأعوام يزداد العمل عليها أكثر فأكثر، في مجتمعنا اليمني يشتغلون على إثارة النزاعات والنعرات العنصرية والمذهبية والمناطقية، بدءاً من إثارة النعرات العنصرية، يشتغلون شغلاً قذراً، إثارة النعرات العنصرية، والعداوات بين هذا العنصر وهذا العنصر، هذا العرق وهذا العرق، هذا النسب وهذا النسب، والعدناني والقحطاني، إثارة هذه النعرات سلوكٌ جاهليٌ مقيت، لا علاقة له بالإسلام أبداً أبداً، الإسلام جاء ليوحد الأسرة البشرية بكلها، العائلة الآدمية والبشرية والإنسانية بكلها، الإسلام جاء ليقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}، أنتم في الأساس واحدة، عائلة كبيرة اسمهم (الإنسان، بنو آدم، الناس)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) يعني: أنتم أسرة واحدة، من أصلٍ واحد، {اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}، فأنتم في الأساس أسرة واحدة (بنو آدم)، عائلة كبيرة، أسرة كبيرة، تفرعت في هذه الحياة وانتشرت في هذه الأرض، ولكن من أصلٍ واحد، من طينةٍ واحدة، من كائنٍ واحد هو أبونا آدم -عليه السلام- تذكروا أنها تربطكم هذه الرابطة: الأسرة الواحدة، الأصل الواحد، لا تتعادوا، لا تتباغضوا، لا تتناحروا، عندما يأتي البعض لإثارة النعرات العنصرية، ويشتغل عليها بشكل كبير؛ فهو يشتغل شغل الشيطان الذي ينزغ بين بني آدم، الشيطان هو يعمل على ذلك، جانب من عدائه يتجه نحو هذه الممارسة القذرة العدائية لبني آدم.

يأتي البعض حتى من القوى التكفيرية يشتغلون على هذا العنوان، وهو عنوان جاهلي: إثارة النعارات العنصرية، والعدناني، القحطاني، والهاشمي، ومدري ما هو ذاك… هذا كله شغل جاهلي، ليس من الإسلام في شيء، الإسلام يربي على الأخوّة، على: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: من الآية103]، على: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: من الآية10]، يعزز الروابط الإنسانية، الأخوية، الإيمان يجعل منا إخوة، فكيف يأتي البعض ليعزز حالة الفرقة، حالة العداوة، الكراهية، البغضاء… ليس في الإسلام أبداً أن تعادي عرقاً معيناً، أو نسباً معيناً هكذا؛ لأنه عرق هناك، أو نسب هناك، الإسلام جاء ليجمع لا ليفرق، وقيمه تربي على هذا الأساس، وتعاليمه تربي على هذا الأساس، الأعداء يشتغلون هذا الشغل لاستهدافنا، لتفرقتنا؛ لتسهل عليهم السيطرة علينا.

عندما نأتي إلى الحديث عن الإمام علي -عليه السلام- عن الحسن والحسين، عن فاطمة الزهراء؛ فهم كانوا قيمة إنسانية، قيمة أخلاقية، قيمة إيمانية، ليس حديثاً عنصرياً، وعندما يأتي الحديث مثلاً عن الهاشميين، شرف انتسابهم مرهونٌ بالإيمان، مرهونٌ بالتقوى، مرهونٌ بالصلاح، مرهونٌ بمكارم الأخلاق، مرهونٌ بالاستقامة على نهج الله -سبحانه وتعالى- ليس المجال متاحاً أن يأتي شخص باسم أنه هاشمي ليتكبر على الآخرين بهذا الانتساب، هذا الانتساب بدون التقوى، بدون الإيمان، بدون الصلاح والاستقامة، لا قيمة له أبداً، بل أسوء من ذلك الوزر أكبر، والذنب أعظم، القيمة هي قيمة إيمانية، قيمة أخلاقية، قيمة إنسانية، وهذا المجال مفتوح، فتحه الله لكل بني آدم، وللنساء والرجال جميعاً، والإنسان سيدخل الجنة بعمله الصالح، والإنسان سيحظى بالمرتبة العالية عند الله بإيمانه وعمله الصالح، والارتقاء الحقيقي عند الله -سبحانه وتعالى- والمرتبة العالية عند الله هي بالإيمان والأخلاق والمبادئ التي دعا الله إليها وأمر بها، الإنسان بهذا يسمو، بهذا يشرف، بهذا تكون مرتبته ومنزلته عند الله -سبحانه وتعالى-.

فإثارة النعرات العنصرية هو عمل جاهلي، وعمل شيطاني، ويهدف إلى التفرقة بين أبناء هذا الشعب، الذي يفرض عليه واجبه الديني ومصلحته في الواقع أن يتوحد، أن تجتمع لحمته، أن يكون كل أبنائه من كل الفئات والقبائل لحمةً واحدة، كتلةً واحدة، أمةً واحدة، معتصمين بحبل الله جميعاً، متآخين أخوة الإيمان التي هي أقوى الروابط، وأمتن الروابط، وأعظم الروابط، ولا داعي أبداً لأن يسخر أحدٌ من أحد، أو أن يحتقر أحدٌ أحداً، أو أن يتكبر أحدٌ على أحد، أو أن يأتي أحدٌ ليثير حساسية تجاه هذا الطرف أو ذاك، من يفعل ذلك فلينظر إليه شعبنا اليمني على أنه إنسانٌ مرتبطٌ بالشيطان، عاصٍ لله، مخالف لتعليمات الله، مخالف لتوجيهات الله، كل هدفه هو إثارة الفرقة والنزاع بين أبناء هذا الشعب؛ تمهيداً لتمكين الأعداء من السيطرة عليهم جميعاً.

على المستوى المذهبي، هناك شغل بالذات من جانب التكفيريين، الذين يصفون هذا الشعب بأنه مجوسي، وأنه رافضي، وأنه كافر، ويبيحون دماء أبنائه، أكبر شغل في إثارة النعرات المذهبية هو للتكفيريين، وباتوا مفضوحين في العالم الإسلامي بكله.

إثارة النعرات المناطقية شغل غريب جدًّا ومقيت، يأتون في تعز ليحرضوا ابن تعز على ابن صنعاء، ويأتون في عدن ليحرضوا من في المحافظات الجنوبية ضد الذين يسكنون في المحافظات الشمالية، وهكذا يشتغلون من محافظة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، [أبناء منطقة كذا عليهم أن يبغضوا أبناء منطقة كذا]، لماذا؟ لأنهم ليسوا من نفس المنطقة! وأكبر من يشتغل على ذلك المنتمون لحزب الإفساد (لحزب الإصلاح)، أي دين هذا! أي ملة هذه التي تعلمك أن تبغض إنساناً، لماذا؟ لأنه ليس من نفس منطقتك، وهو من منطقة أخرى، هذا هو شغل الشيطان، كل هدف الأعداء هو التفرقة بين أبناء هذا الشعب، والذين يتمترسون بالعناوين العنصرية، أو العناوين المذهبية، أو العناوين المناطقية، هم المفلسون، مفلس، ما عنده قضية، ما عنده أمر صحيح يجتمع عليه الناس؛ فيسعى إلى جر الناس تحت عنوان آخر، يحرك عنواناً آخر ليجر الناس إليه؛ لأنه مفلس، ليس لديه ما يقنع الناس به، ليس لديه قضية صحية، قضية عادلة، قضية محقة، فيتحرك تحت ذلك العنوان، والمسألة مسألة عناوين للتفرقة والاستغلال، هذا كل ما يعمل عليه أعداء هذه الأمة: استغلال عناوين، لاستقطاب الناس من خلالها، وتحريكهم لأهداف أخرى وأمور أخرى.

أنظمة العدوان واستغلال عناوين التفرقة

عندما حرص النظام الإماراتي الذي هو جزء أساسي في العدوان على شعبنا، عندما سعى إلى احتلال المحافظات الجنوبية جاء ليستفيد من هذه النغمة: العداوات المناطقية، الحساسات المناطقية، ولكن هل لأنه يريد مصلحة حقيقية لسكان المحافظات الجنوبية؟ |لا|، اشتغل بطريقة أخرى، عندما تمكن هو يتعامل معهم فقط بحالة استغلال بحت، استغلال بحت، لا يريد لهم خيراً، ولا يسعى حتى لخدمة هذا العنوان، بل لاستغلال هذا العنوان، يعني: هو لا يهدف إلى تمكينهم، وإلى خدمتهم، وإلى العناية بهم، كيف هي الأوضاع في المحافظات الجنوبية: الأوضاع الاقتصادية، الأوضاع الأمنية…؟ الوضع بكله وضع متردي جدًّا، امتهان، ظلم، إهانة، قهر، إذلال… ماذا تفعل الإمارات في سجونها هناك، كيف تعامل الإنسان الجنوبي وغير الجنوبي؟ المسألة مسألة عناوين للاستغلال.

وهكذا يفعل النظام السعودي، وكلٌ منهما يشتغل هذا الشغل تحت إشراف أمريكا، وبتحالفهم وأنشطتهم التخريبية في المنطقة، يفعل النظام السعودي في مسألة التعامل مع العناوين والاستغلال لها ما هو عجيب وغريب جدًّا، يعني: عندما يتأمل الإنسان يرى شغلاً نفاقياً بكل ما تعنيه الكلمة، النظام السعودي- كما النظام الإماراتي- يأتي إلى الداعشي، هذا الداعشي الذي يأتي ليقول: [أنه يريد أن يقيم دولة الخلافة]، فيقول: [تفضل، أنا سأدعمك، اسرح المعركة، قاتل ضد هذا الشعب]، يوفر له المال، والسلاح، والغطاء، والبيئة، والفرصة المواتية للتحرك، يأتي إلى العلماني الذي يقول: [أنا لا أريد دولة دينية بالمرة، أنا أريد دولة غير دينية نهائياً]، يقول: [وأنت سأدعمك تفضل السلاح، المال، وتفضل أهيئ لك الظروف المناسبة تحرك، بس المعركة هناك، قاتل هذا الشعب]، ويدفعه بالموازاة مع ذلك الذي يدعمه ليقيم- على حسب زعمه- دولة خلافة (بحسب تصوره المغلوط والكارثي والخاطئ)، يأتي إلى الذي ليس له أي التفاته إلى الدين، عنده توجه للفجور والإباحة، والتحلل من القيم والأخلاق، ويوفر له قيمة السلاح، وقيمة الخمر، وقيمة مراكز الدعارة… وكل تلك الاحتياجات، ويأتي إلى من يتظاهر بالتدين ويوفر له قيمة حفلة الدعارة، وقيمة الندوة الدينية، يدفع للطرفين، قيمة كأس الخمر وقيمة كتاب في العلوم الدينية، ومحاضرة ستقام في مسجد كذا ضد الروافض، والمدري ما هو ذاك… ولتكفير الأمة الإسلامية، وحفلة هناك ماجنة.

يشتغل تحت كل العناوين، حتى في النعرات العنصرية، لاحظوا يستدعون بعض الهاشميين إلى الرياض، يقولون لهم: [نحن لسنا ضد بني هاشم، نحن وقفنا مع آل حميد الدين في تلك المرحلة، ونحن سندعمكم]، ويأتون إلى البعض ليدفعوا لهم ما يطلقون به الشتائم والسباب ضد بني هاشم جملةً وتفصيلاً، بكلهم من أولهم إلى آخرهم، يعني: المهم بالنسبة لهم هو الاستغلال للعنوان كعنوان؛ أما المعركة فيشغلونها باتجاه آخر، يدعم لك من يأتي ليقول: [أنا أريد الوحدة، ومعركتي للحفاظ على الوحدة]، ويوفر له السلاح والمال، ويأتي الآخر ليقول: [أنا أريد الانفصال، ومعركتي معركة للانفصال]، ويوفر له السلاح والمال، والتمكين الإعلامي… وغير ذلك. لماذا؟ لأن كل هذه بالنسبة للسعودي والإماراتي عناوين فارغة، عناوين ترفع لتبرير العمالة والخيانة والارتزاق، وفي نفس الوقت المعركة ثانية، المعركة معركة لإخضاع الشعب اليمني لسيطرة الأجانب، المعركة معركة لتفرقة الشعب اليمني؛ حتى لا يتوحد على موقف واحد يضمن له الحرية والاستقلال والكرامة، تلك كلها عناوين: حراس الجمهورية، دعاة الوحدة، وحتى أولئك: دعاة الانفصال، دعاة مدري ما هو ذاك… الذي يأتي تحت العنوان (سني)، ولمحاربة الروافض والمجوس، والذين مدري ما هو ذاك… كلها عناوين فارغة، المسألة معركة لخدمة الأجانب، لتمكينهم من السيطرة على بلدنا وعلى شعبنا؛ حتى يخسر هذا البلد وهذا الشعب حريته واستقلاله وكرامته.

هذا الشعب- أيها الأعزاء، يا شعبنا العزيز- عاش على مر هذه القرون ليس في داخله لا مشاكل عنصرية، ولا مشاكل ونزاعات مذهبية، الزيدية والشوافع متآخون على مر التاريخ، متفاهمون، اليوم نحن في مواجهة هذه المعركة أحوج بدافع المصلحة لهذا البلد ولكل أبناء شعبه، وكذلك أكثر وجوباً علينا في مسؤوليتنا الدينية والإيمانية، إلى أن نحارب ونتصدى لكل النعرات، النعرات العنصرية باطلة، لا صحة لها، لا أساس لها، الذي يشتغل عليها هو المفلس، نحن أمة واحدة، نحن شرفنا الله جميعاً في هذا الشعب وفي هذا البلد بالإسلام، بالإيمان، يمن الإيمان والحكمة، تاريخ عظيم ومشرف، وحاضر- إن شاء الله- مشرف، ومستقبل مشرف.

ما يشتغل عليه النظام السعودي لتفرقة أبناء الشعب شغل شيطاني وشغل المنافقين، أنا شخصياً عندما أشاهدهم يحركون كل هذه العناوين: وحدة، وانفصال، دين، وفجور، وعلمانية…وكل شيء. أزداد إيماناً بقول الله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: من الآية145]، {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}، شغل نفاق، كل العناوين تشتغل لمعركة أخرى، لهدف آخر، ليس لهم إلا الدرك الأسفل من جهنم، الخطر الحقيقي- أيها الأعزاء- هو من أعداء الأمة وعملائهم، الذين يستهدفوننا في: ديننا، وحريتنا، واستقلالنا، وكرامتنا.

الوضع الراهن.. ما بعد اتفاق السويد

نأتي- في نهاية المطاف- لنتحدث بإيجاز عن الوضع الراهن، ما بعد اتفاق السويد: طبعاً كان هناك اتفاق السويد، وجملة من التفاهمات التي تفتح الأفق لمسارات مهمة، يعني: كان هناك اتفاق فيما يتعلق بالحديدة، وكان هناك اتفاق فيما يتعلق بالأسرى، وكان هناك مسارات عمل وتفاهمات أولية فيما يتعلق بالملف الاقتصادية، وفيما يتعلق بملف تعز، فعلى كل هذه المسارات منذ نهاية الجولة في السويد وعودة الوفد الوطني كان هناك تعثر في كل المسارات: اتفاق الحديدة بقي متعثراً بفعل التهرب من جانب الأعداء عن تنفيذ هذا الاتفاق، ومحاولاتهم الدائمة للالتفاف على هذا الاتفاق، نحن في كل المرحلة الماضية نقول: نحن جاهزون ومستعدون لتنفيذ المرحلة الأولى من هذا الاتفاق، والدخول في المرحلة الثانية، وحتى البدء (أن نبدأ)، وبدأنا فعلياً، بدأنا في ميناء الحديدة، وقلنا: بإمكان الأمم المتحدة أن تتحقق من هذه الخطوة، وأن تستكمل هي ما إليها في هذه الخطوة، ثم نستكمل فيما يتعلق بميناء الصليف ورأس عيسى، ونعرض حتى هذه الأيام: بالأمس، وقبل الأمس… وكل هذه الأيام، والإخوة في الفريق المعني هناك في اللجنة (في لجنة إعادة الانتشار) يقولون لـ(مايكل): [نحن جاهزون لتنفيذ الخطوة التي إلينا]، هو يطلب منهم التريث حتى يصل إلى نتيجة مع الطرف الآخر، الطرف الآخر يتنصل، يتهرب من تنفيذ الاتفاق، يسعى للالتفاف عليه، هذه الحقيقة يجب أن تكون واضحة: أن الطرف الآخر يسعى للالتفاف على هذا الاتفاق، والتهرب من تنفيذه، لا يهمه مصلحة هذا الشعب، لا يهمه الأهالي في محافظة الحديدة، يتحرك بأطماعه، في المرحلة الماضية واجه صعوبات عسكرية، وكان إلى جانب تلك الصعوبات العسكرية إشكالات كبيرة: على مستوى السمعة في العالم، على مستوى ما انتشر في العالم الغربي، بين أوساط الشعوب هناك، وأصبح ضمن السجالات ما بين المعارضة والحكومة، ما بين هذا الطرف وذاك، سواءً في أمريكا، في بريطانيا، في أوروبا… عن الجرائم الوحشية التي ترتكب في مجزرة الحديدة ضد هذا الشعب، هذا التحرج، مجموعة اعتبارات جعلته يدخل في أخذ ورد بشأن الاتفاق، لكنه اليوم يتحمل المسؤولية- هو- في تهربه من تنفيذ هذا الاتفاق، نحن نؤكد جهوزيتنا للتنفيذ، واستعدادنا التام حتى للبدء من طرف واحد بالخطوات الأولى.

فيما يتعلق بالإمارات: أنا أقدم النصيحة ألا تعود إلى مسار التصعيد العسكري، طبعاً نحن نأخذ بعين الاعتبار إذا عادوا إلى التصعيد العسكري ما علينا من مسؤولية في أن نعمله، ومن ضمن ذلك خيارات لا أحبذ الحديث عنها، ولكني في مقام أوجه النصح.

فيما يتعلق بلمف الأسرى: كان هناك اتفاق ناجز، تهربوا عن تنفيذه، بالإفراج بشكلٍ كامل عن الأسرى، تهربوا، بعد ذلك قلنا: لو على دفع نحن حاضرون، بنسب على كل طرف، بعدها وصلنا إلى تفاهم بعدد معين، في النهاية هم المعرقلون والمتنصلون والمتأخرون عن تنفيذ هذا الاتفاق.

هم الذين أوقفوا كلياً المسار المتعلق بالجانب الاقتصادي، ونحن قلنا وكررنا كثيراً: نحن جاهزون لاتفاق لتحييد الجانب الاقتصادي من أجل الشعب اليمني، هم يثبتون في كل ممارساتهم وسياساتهم أنهم لا يهمهم مصلحة الشعب اليمني، وأنهم أعداء- بالفعل- لهذا الشعب.

على مستوى مسار تعز نحن جاهزون، وهم الذين كانوا يحاولون أن يصوروا أن هناك حصاراً في تعز، لا زالوا يتهربون في هذا الملف.

على العموم في كل الملفات نحن جاهزون- من جانبنا- للسلام المشرف، وفي نفس الوقت في مقابل التصعيد القائم- حالياً- في الحدود، والتصعيد الذي يحضر له العدو في بعض المحافظات والمناطق والمحاور العسكرية، والتصعيد الجوي، والاستمرار في المضايقة على الوضع الاقتصادي، يجب أن نكون جميعاً في هذا الشعب، كل الأحرار، في موقع اليقظة، في حالة اليقظة، الانتباه، الجهوزية العالية، العمل المستمر لكل ما من شأنه أن يعزز حالة الصمود والتماسك، وأن نتصدى لكل النعرات وكل المساعي الشيطانية الهادفة إلى تفريقنا كمجتمعٍ يمني مسلم.

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا جميعاً لما يرضيه عنا، وأن ينصرنا بنصره، وأن يرحم شهداءنا الأبرار، وأن يشفي جرحانا، وأن يفرِّج عن أسرانا، إنه سميع الدعاء.

وَالسَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛؛؛