موقع البينات | شبكة البينات خطابات ومحاضرات وحوارات ومقابلات السيد / عبدالملك بدرالدين الحوثي ..خطابات المناسبات..دروس رمضان ومتفرقات الهجرة عاشوراء اليمن

محاضرة السيد بذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام 1440هـ- الأولى

النهضة الحسينية 1

أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهم برضاك عن أصحابه الأخيار المنتجبين، وعن سائر عبادك الصالحين.

أيها الإخوة والأخوات:

السَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛؛؛

الأزمات التي تعانيها الأمة

عندما نتأمل في واقع أمتنا الإسلامية، وفي الظروف التي تعيشها شعوب منطقتنا، في المنطقة العربية، وفي سائر العالم الإسلامي، وما تعانيه هذه الشعوب على كل المستويات، من: تحديات، وأخطار، ومشاكل، وأزمات، من انعدامٍ لحالة الأمن والاستقرار، ومشاكل كبيرة على هذا المستوى، وفي هذا الجانب حروب، ونزاعات، وصراعات، وانقسامات، وتباينات…الخ. ثم على المستوى الاقتصادي، والأزمات الاقتصادية خانقة ومؤثرة جدًّا، وشاملة، تشمل كل أمتنا، كل شعوب المنطقة، ما هناك- تقريبًا- أي بلد إسلامي إلَّا ويعاني من أزمة اقتصادية، ومشاكل كبيرة على المستوى الاقتصادي.

ثم تأتي إلى بقية المجالات: تجدها كلها في حالةٍ من: المشاكل، والأزمات، والتحديات، والتعقيدات الكبيرة جدًّا، بمعنى: أننا نعيش- كأمة مسلمة ومجتمع إسلامي في المنطقة العربية وغيرها- وضعًا غير طبيعي وغير سليم، واقعًا مأزومًا، واقعًا تطغى عليه الكثير من المشاكل الكبيرة والتعقيدات الكثيرة.

ثم نجد في واقعنا، سواءً التحديات التي من خارج بيئتنا وساحتنا، والتي هي عبارة عن مخاطر واستهدافات من قوى وأمم أخرى معادية لنا كأمة مسلمة، أو المشاكل التي نعاني منها من واقع ساحتنا الداخلية، من داخل أبناء أمتنا: فئات، كيانات منتسبة لهذه الأمة، من أبناء الأمة، وباتت تمثِّل إشكالية كبيرة في واقع الأمة من داخل هذا الواقع.

نأتي إلى طبيعة هذه المشاكل، وهي تمس بحياتنا في كل شئون حياتنا، تأتي إلى واقع معيشتنا، إلى واقع أمننا واستقرارنا، إلى واقع حتى غذائنا… هذه المشاكل لا ينبغي أبدًا أن ننظر إليها مجردة عن أسبابها، يجب أن نأتي لنعرف ما هي الأسباب، أننا نعيش- كأمة مسلمة ومجتمع مسلم- كل هذه المشاكل، والتحديات، والتعقيدات، وفي كل مجال من المجالات، هل ثمرة إسلامنا الذي ننتمي إليه في مبادئه، وقيمه، وأخلاقه، وتشريعاته… أن ينتج عن التمسك بها، والانطلاقة على أساسها، واقعٌ كهذا، ظروفٌ كهذه، حياةٌ كهذه، مشاكل كهذه؟ أو أنَّ النتيجة المفترضة لهذا الإسلام في مبادئه، وأسسه، وقيمه، وأخلاقه، وتشريعاته، أن نكون على واقعٍ مختلف، بدءًا في ساحتنا الداخلية، وفي واقعنا الداخلي، ثم في أدائنا، وطبيعة حضورنا بين المجتمع البشري، وطبيعة علاقاتنا بسائر الأمم؟

عندما نأتي إلى ما نعانيه حاليًا، نجد أن في ذلك بنفسه شاهدًا واضحًا وجليًا على عظمة تلك المبادئ والمعالم الأساسية والمهمة في الإسلام، التي لمَّا أضاعتها الأمة وصلت إلى ما وصلت إليه، عندما نأتي إلى أول هذه المبادئ، وهو: التحرر من سيطرة الطاغوت، والاستقلال عن التبيعة للمضلين، والطغاة، والمفسدين، والمجرمين… هذا المبدأ عندما أضاعته الأمة ما هو البديل عنه؟

البديل أن يسيطر الطاغوت، البديل أن تعيش الأمة في كل شئونها حالة التبعية لأعدائها الذين لا يريدون لها الخير أبدًا، والذين عندما يخططون فيما يخططون لها، أو يرسمونه فيما يرسمونه لها، في أي شأنٍ من شئونها: اقتصاديًا، أو سياسيًا، أو في أي مجالٍ من المجالات، يعملون ما يرون فيه مصلحةً لهم وإضرارًا بالأمة، ويساعدهم على استحكام سيطرتهم عليها أكثر، وإضعافها على نحوٍ أكثر.

عندما غاب مبدأ الارتباط بمصادر الهداية والنور، لكي نكون أمةً مستنيرةً، واعيةً، مبصرةً، تنظر إلى الواقع من حولها، وإلى الأحداث من حولها على أساسٍ من نور الله وهديه، وترسم معالم حياتها، ومسارها في هذه الحياة، في كل اتجاه من مجالات الحياة على أساس ذلك الهدى؛ كان البديل هو الضياع، كان البديل هو الأفكار الظلامية الرهيبة جدًّا، التي تجعل الأمة في واقعها وكأنها عمياء، لا تهتدي لرشد، لا تعرف الحلول، تتعاظم مشاكلها، وتكثر إشكالاتها مشكلة على مشكلة على مشكلة، تلك المشكلة لم يجدوا لها حلًّا، وتلك الإشكالية لم يجدوا منها مخرجًا… وهكذا تتعاظم المشاكل، وتتكثف الظلمات التي تساعد الآخرين على التضليل لنا كأمة بشكلٍ أكبر، وعلى الخداع لنا بشكلٍ أيسر… إلى غير ذلك.

عندما ضيعنا كأمة بشكل كبير في واقعنا مبدأ: التركيز على تزكية النفوس على أساس هدى الله، والبرنامج التربوي والأخلاقي في الإسلام، ولم يبقَ منه إلَّا أقل القليل، كانت النتيجة أن تتدنس الكثير من النفوس، وأن يكون لديها قابلية كبيرة جدًّا للانحراف بكل أشكال الانحراف: الانحراف الأخلاقي، الانحراف في الطغيان والإجرام والإفساد… كل أشكال الانحراف.

عندما فقدنا- أيضًا- مبدأً آخر من المبادئ الرئيسية جدًّا، وهو: مسؤوليتنا كأمة في إقامة العدل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وصلاح واقعنا الداخلي، وبناؤه على أساس تلك المبادئ، والقيم، والأخلاق، والتشريعات، ماذا كانت النتيجة؟ أضعنا مبدأ العدل؛ حلَّ بديلًا عنه الظلم، مَنْ الذي يعاني من الظلم؟ أولسنا نحن كأمة إسلامية، كمجتمع مسلم، كمجتمعات عربية نعيش واقعًا من المظلومية والظلمات لا نظير له في أي بقعةٍ من بقاع هذا العالم؟! النتيجة نعاني في واقع حياتنا، المسألة بالنسبة لتلك المبادئ، ليست فقط مجرد مبادئ دينية التمسك بها يترتب عليه- مثلًا– أجر وثواب للآخرة، هذا يحصل تلقائيًا، الثواب والأجر في الآخرة يحصل تلقائيًا من التمسك بتلك المبادئ، لكن هناك ثمرة عاجلة لها، وضرورية لها، وهادفة منها في هذه الحياة، ثمرتها لو أخذنا بتلك المبادئ، لو استمر المسار: مسار الأمة الإسلامية على مثل ما تحرك به رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتلك المعالم الرئيسية، لو استمر ذلك المسار؛ لكان واقع الأمة مستمرًا بشكلٍ تصاعدي، بشكل ارتقاء، بشكلٍ يتعاظم ويتطور ويرتقي أكثر فأكثر، وأفضل فأفضل، وأحسن فأحسن، ولَمَا كان مسار الأمة من بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وعبر الزمن يتجه نحو الانحدار، نحو الانحدار، نحو الانحدار، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم.

مظلومية الشعب الفلسطيني.. أسباب المشكلة

عندما تتأمل اليوم في واحدة فقط من مظلوميات هذه الأمة، مظلومية واضحة ومعترف بها بين الجميع، ليست محلَّ إشكال أو جدل في الواقع الداخلي في الساحة الإسلامية، فقط يراد لها من الآن فما بعد أن تتحول إلى مسألة جدل وإشكال، وإلَّا فكانت معترفًا بها في الساحة الإسلامية بكلها، ولدى كل العرب، مظلومية الشعب الفلسطيني، على مدى كل هذه العقود من الزمن، أكثر من سبعين عامًا، مظلومية واضحة ومؤلمة وكبيرة، فيها كل أشكال الظلم: القتل والاستباحة لحياة الناس، القتل اليومي، الذي لا يكاد يمر يومٌ من الأيام إلَّا ويتكرر، جريمة ومأساة متكررة، ومشهد واضح أمام جميع العرب، وأمام جميع المسلمين، الاستباحة للأرض، اغتصاب الأرض، ومصادرة الأراضي والمزارع والمساكن، واقتلاع المزارع، اقتلاع شجرة الزيتون، والسيطرة والسطو على ممتلكات الناس وحقوقهم، وكذلك الاضطهاد الديني، معاناة حتى في الصلاة، على مستوى المسجد الأقصى، وتهديد لهذا المقدس، وتهديد للمشاعر المقدسة هناك والمعالم المقدسة، المقدسات بشكلٍ عام هناك تهديد مستمر لها، كل أشكال الظلم، وكل أشكال المعاناة قائمة، وتمسّ بالناس هناك في حياتهم وفي كل شئونهم: في شئونهم الدنيوية، وفي شئونهم الدينية، يعاني من مشكلة في أن يتمكن من أداء الصلاة في المسجد الأقصى، ويعاني من مشكلة في أن يصل إلى مزرعته التي هي مهددة: إما بقلع ما فيها من أشجار الزيتون، أو بمصادرتها عليه بشكلٍ تام، مشكلة القتل المستمر والاستباحة للدماء، مشكلة السجن والاعتقال التعسفي والظالم للرجال وللنساء… كل أشكال الظلم موجودة، واستمرت، ليس فقط عامًا بعد عام، بل على مدى عقود من الزمن: عشر سنوات، ثم عشر سنوات، ثم عشر سنوات… تتفاقم، تتعاظم، تتزايد، يزداد الوضع من واقعٍ إلى ما هو أقسى، المزيد من الأراضي تؤخذ، المزيد من أشجار الزيتون تقلع، المزيد من المزارع يتم السطو عليها والسيطرة عليها، حالات الجرائم: جرائم القتل، جرائم الاغتصاب، جرائم السجن… كل أشكال الظلم تحصل.

عندما نتأمل في هذه المظلومية فحسب، ما بالك الآن كل شعوبنا مظلومة، وتتفاوت مستوى المظلوميات من شعبٍ إلى آخر، هذه مظلومية واحدة، ننظر إلى جانبين لهذه المظلومية:

هناك طرف آخر، طرف هو الذي يباشر هذا الظلم بحق هذا الشعب، هو: (الكيان الإسرائيلي)، كيف نشأ هذا الكيان؟ كيف نمت وترعرعت تلك الغدة السرطانية في وسط هذه الأمة؟ كيف تمكنت أن تصل إلى ما وصلت إليه هي في نفسها، وفي ما تفعله بفئة من أبناء العالم الإسلامي، جزء من الأمة العربية والإسلامية، قطعة من المنطقة الإسلامية، كيف تمكنت من كل ذلك، وبكل بساطة على مدى كل هذه العقود من الزمن؟

لا تنظر إلى هذه المشكلة إلى أنها مشكلة عادية أبدًا، لا يوجد سبب لأن يتمكن ذلك العدو من أن ينمو، ويترعرع، ويبني نفسه، ويصل إلى ما وصل إليه، ويفعل كل ما يفعله من دون أن يكون ذلك بسبب خللٍ في واقع هذه الأمة الإسلامية بنفسها، في واقع هذا المحيط الكبير العربي والإسلامي، الذي شعب فلسطين جزءٌ منه، وأرض فلسطين جزءٌ من جغرافيته، انظر إلى أن هناك مشكلة في هذا الطرف الآخر، كيف بقي كل هذا المحيط الواسع الذي هو مُشَكَّل من مئات الملايين من الناس، والذي يمتلك من القدرات البشرية والمادية والإمكانات ما بإمكانه لو اتجه برؤية جادة، وتوجه جاد، وبمسؤولية فعلية، وبصدق إرادة، إلى أن يعالج هذه المشكلة في أسرع وقت، وأن ينهي تلك المظلومية في أقرب فرصة، المشكلة ليست طبيعية، المشكلة تدعو إلى التأمل، إلى أن ندرك أنَّ وراء هذا الخلل خلل يعود إلى مبادئ، إلى قيم، إلى منظومة نُسِفت، منظومة من: المبادئ، والأخلاق، والقيم، والتعليمات، نُسِفت وقوِّضت من واقع هذه الأمة، أضاعتها الأمة؛ فضاعت، وتحوَّلت إلى أمة لا فاعلية لها في مواجهة التحديات والأخطار الحقيقية والفظيعة والرهيبة، والتي لا يمكن أن نتجاهلها، إن تجاهلناها لم تحل المشكلة، تبقى المشكلة قائمة، بل تتعاظم، وتكبر، وتعظم، وتصل إلى مستويات خطيرة جدًّا.

عندما تشاهد كل تلك المآسي على الشعب الفلسطيني، وترى واقع هذا المحيط بكله، المحيط العربي، المحيط الإسلامي المتشكل من أكثر من مليار مسلم، والذي يمتلك من القدرات والإمكانات المادية الهائلة ما يمكنه من مواقف كبيرة جدًّا، من حضور عالمي كبير، من التصدي لأخطار كبيرة جدًّا، لماذا هذه الأمة الكبيرة في إمكاناتها وقدراتها، والكثيرة في عددها وعديدها، والواسعة في جغرافيتها، لماذا هي ضعيفة إلى هذا الحد الذي عجزت فيه عن التصدي لتلك المشكلة وتلك المظلمة، وحل هذا الإشكال، وتخليص ذلك الشعب، الذي هو جزءٌ منها، جزءٌ من هذه الأمة، مما يعانيه من هذا الظلم على مدى كل هذه العقود من الزمن.

هذه الأمة فيما تعانيه من ضعف في الفاعلية، في الأداء، في الموقف، من انعدام الاحساس بالمسؤولية، من ضعف في الوعي، من اهمال كبير جدًّا وصل بها أن هبطت دون مستوى بقية الشعوب والأمم، يعني: عندما نتَّجه بأنظارنا إلى البلدان الأخرى، إلى الشعوب الأخرى، إلى الأمم الأخرى، إلى الصين مثلًا، أو ليست الصين تسعى اليوم إلى أن تكون في قدرتها، في استقلالها، في قوتها، في حريتها، في إمكاناتها، في حضورها العالمي… منافسًا وندًّا لأمريكا، أو ليست تسعى لذلك؟ بلى، تسعى. وهل واقع الصين- مثلًا– كأمة، وكمجتمع، وكدولة في مسار حياتها، فيما هي عليه من: تعزز، واستقرار، وتمكّن، واقتدار، ونهضة، يمكن أن نساوي بينه وبين الواقع العربي، الذي يتجه إلى الأسوأ في مشاكله وتعقيدات وضعه؟!

إذا جئنا لنتأمل- مثلًا- الواقع الروسي، لماذا العرب- مثلًا– ليس لديهم مسار كهذا، أن يتجهوا ليكونوا أمة موحَّدة، أمة مقتدرة، أمة قوية، أمة عزيزة، أمة ذات مَنَعَة، أمة في مستوى مواجهة التحديات والأخطار، أمة تتصدى للسيطرة الأمريكية، والهيمنة الأمريكية، والطغيان الأمريكي؟ بل أكثر بلدان المنطقة العربية يتجهون اتجاهًا مختلفًا كليًا: الإذعان، الخضوع، الاستسلام لأمريكا، إعطاء أمريكا كلما تريده… الخ. هذا الواقع ليس واقعًا طبيعيًا أبدًا.

عندما ترى أشجار الزيتون تقلع في فلسطين، عندما ترى الأراضي تؤخذ وتغتصب، عندما ترى القتل اليومي لذلك الشعب المستضعف المظلوم، عندما ترى المقدسات مهددة، وتقتحم يوميًا، وعلى رأسها المسجد الأقصى الشريف، عندما ترى كل أشكال الظلم هناك، اعرف أنَّ السبب في واقع هذه الأمة التي تنظر إلى تلك الأحداث- ومع الوقت- إلى أنها أحداث روتينية، والكثير يتعامل معها ببرودة، وينظر إليها نظرة الاستبساط واللامبالاة والتجاهل، اعرف أن هناك مشكلة، هذه المشكلة تعود إلى بُعدِ هذه الأمة عن مبادئ وقيم ومعالم أساسية، حينما أضاعتها ضاعت، وحينما فرَّطت فيها وصلت إلى ما وصلت إليه من المشاكل التي هي كثيرة جدًّا، وتعقيدات كثيرة، وخلل، وعندما ترى التعافي يدبُّ في جسد هذه الأمة، وترى كيانات نهضت، هذه الكيانات التي تنهض في وسط هذه الأمة؛ إنما نهضتها هذه بقدر ما عادت إليه من  تلك المبادئ والمعالم الرئيسية، ومن يعود من أبناء الأمة إلى تلك المعالم الرئيسية- فعلًا- سيرى واقعه يبدأ بالتغير: في طبيعة التوجه، في طبيعة الموقف، في طبيعة المسار الذي يتحرك على أساسه.

كيف غابت تلك المعالم والقيم من أوساط الأمة؟

طبعًا، إذا جئنا لنقول: كيف غابت تلك المعالم والقيم من أوساط هذه الأمة، ما هو السبب، هل لأن حضورها- مثلًا– في القرآن الكريم، الذي هو المنهج الأساس المفترض لهذه الأمة، كان حضورًا ضعيفًا، بسيطًا، مثلًا: مجرد إشارات في نصوص قرآنية، تُلمِّح من بعيد إلى أهمية الجهاد، إلى أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أهمية العمل لإقامة الحق والعدل والقسط في هذه الحياة، إلى ضرورة أن تكون هذه الأمة أمة موحدة ومعتصمة بحبل الله، وأن تترك التنازع والاختلاف فيما بينها، وأن وأن… الخ. هل إعطاء مسألة الوعي، والبصيرة، والفهم، الصحيح، والحكمة، والرشد، والنضج الفكري، هل هي مسألة ها مشية في القرآن الكريم، وقليل من الآيات تشير من بعيد البعيد إليها، أم أنَّ الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- كذلك لم يركِّز على هذه المسائل والأمور، ولم تكن بارزة في سياساته، في أعماله، في مساره العملي، في حركته؟ الأمر ليس كذلك.

العودة إلى القرآن- كما قلنا- يرى الإنسان في القرآن الكريم حضورًا كبيرًا، ومساحة كبيرة جدًّا تركِّز على جانب المسؤولية، على المبادئ الرئيسية، على المعالم الأساسية، وتعطيها أهمية كبيرة جدًّا، وأهمية قصوى، كثير من الآيات القرآنية، وبأكثر من أي مواضيع أخرى.

عندما تعود إلى الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- ترى أنَّ الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- كان أكثر اهتمامًا عمليًا وفعليًا وقوليًا، وفي نشاطه وحركته بتلك المسائل أكثر من أي مسائل أخرى، وأنها بارزة جدًّا وواضحة جدًّا فيما وثَّقه القرآن الكريم بشكل توجيهات أتت إلى الرسول، أو فيما تحدث به عن الرسول، أو فيما نقلته السِّير ونُقِل لنا عبر التاريخ، كل ذلك يظهر فيه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه عمل بشكلٍ أساس على أن يبني الواقع الإسلامي تحت قيادته، وتحت رايته، ليكون واقعًا مستقلًا وحرًا، ومبنيًا على تلك المبادئ والأسس العظيمة والمهمة، كان يبذل كل جهده لأن تكون الأمة- تحت قيادته- أمة متحررة كليًا، ومستقلة بشكلٍ خالصٍ وتام عن أي تأثيرات وارتباطات بالأمم الأخرى والاتجاهات الأخرى، فلم يكن لليهود أي تأثير لا في رسول الله، ولا في حركته، ولم يكن يقبل، وكان يحارب أي تأثير يصل إلى أطراف هنا أو هناك في الساحة الإسلامية، ثم كذلك بقية الفئات والجهات؛ فكان الإسلام- تحت راية الرسول- إسلامًا مستقلًا، الأمة فيه تخضع وتتجه بناءً على معالم هذه الدين وأسس هذا الدين بشكلٍ مستقل، طبعًا كانت تبرز بعض الظواهر السلبية من هنا أو هناك في داخل المجتمع الإسلامي، لكنها ظواهر سلبية تبقى محسوبة على تلك الجهات: فئة المنافقين، فئة الذين في قلوبهم مرض، فئة ضعيفي الإيمان، ناقصي الوعي، وكان النبي -صلوات الله عليه وعلى آله- يحارب تلك الظواهر، ويسعى لاحتوائها، ويعمل على معالجتها، ويسعى للحد من تأثيرها في الساحة الإسلامية، والنصوص القرآنية الكثيرة جدًّا تأتي- كذلك– وتتجه بالنقد، وتتجه- أيضًا- بالموقف تجاه هذه الظاهرة أو تلك، هنا أو هناك.

فمثلًا: عندما عمل الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يتحرك بالأمة لتجاهد، كان هناك من يعترض على ذلك، كان هناك من يسعى إلى تقويض هذه المساعي والجهود لتحريك الأمة، لتكون أمة قوية ذات مَنَعَة، تتصدى لأعدائها، تواجه الأخطار والتحديات، ومن يسعى إلى تثبيط الناس، وإلى توهين عزائمهم، وإلى الإرجاف عليهم، وإلى السعي لمنعهم عن التحرك، من الذي كان يسعى هذا السعي، من الذي كان يتحرك هذا التحرك؟ فئة سمَّاها القرآن الكريم بالمنافقين، الذين كانوا يطلقون كل عبارات التثبيط والإرجاف؛ بغية تثبيط المجتمع عن التحرك للجهاد في سبيل الله. عندما يعمل الرسول على إقامة العدل وإقامة الحق في أوساط الأمة، كان البعض من هنا، أو البعض من هناك يعترض، يشكك، حتى الإساءة إلى الرسول كانت تحصل من البعض، بحسب ما ورد في سورة التوبة، حتى إطلاق الشائعات والدعايات من شخصيات وأطراف وفئات تنتسب للإسلام، تنتسب، تقول: [أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله]، أبرز هذه الفئة هي فئة المنافقين الذين قال الله عنهم: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[المنافقون: الآية1]، فئة المنافقين، فئة الذين في قلوبهم مرض، فئات أخرى كان يحصل عندها نقص وعي، ضعف إيمان، قصور في جوانب معينة؛ فتتراجع عن مواقف، تتأثر بمواقف، تتأثر بشائعات، فالظواهر السلبية كانت تحصل وتحدث، والاعتراضات والانتقادات والشائعات والدعايات كانت تحصل في داخل المجتمع الإسلامي، لكن تُعَبِّر عن مَنْ؟ عن منهج الإسلام؟ |لا|. عن الرسول؟ |لا|. عن القرآن؟ |لا|. والرسول كان يتحرك بالقرآن لاحتواء تلك الظواهر، والتصدي لها، والعمل على الحد من تأثيرها في الساحة الإسلامية وفي المجتمع المسلم، إلى درجة أنَّ الله أمره بمحاربتها، وإلى درجة أن يصل في مرحلة من المراحل إلى مواقف حاسمة جدًّا، من مثل قول الله تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخ%