موقع البينات | شبكة البينات خطابات ومحاضرات وحوارات ومقابلات السيد / عبدالملك بدرالدين الحوثي ..خطابات المناسبات..دروس رمضان ومتفرقات الهجرة عاشوراء اليمن

محاضرة السيد بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام 1440هـ- الرابعة

النهضة الحسينية 4

أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهم برضاك عن أصحابه الأخيار المنتجبين، وعن سائر عبادك الصالحين.

أيها الإخوة والأخوات:

السَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛؛؛

بغياب المعالم الأساسية في الإسلام خسرة الأمة موقعها

بناءً على ما سبق في المحاضرات الماضية، وبالنظر إلى القرآن الكريم، وإلى حركة ومسيرة رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- يتجلى لنا الفداحة الكبيرة لخسارة الأمة، خسارة رهيبة، وخسارة فادحة تكبدتها بغياب تلك المعالم الرئيسية والمبادئ العظيمة عن واقع الحياة، عن مشروع الأمة، عن حركة الأمة، عن واقع الأمة، وبالنظر لطبيعة مشروع الإسلام التربوي والحضاري والثقافي الذي يصلح حياة البشرية، والذي يُبنى عليه في الواقع، في كل مسارات الحياة، وفي كل اتجاهات الحياة، ما يصلح هذه الحياة، ما ينعكس أثره، ويتجلَّى أثره في واقع الحياة استقرارًا، وخيرًا، وحلًّا للمشاكل التي تعاني منها البشرية، يتجلَّى لنا بالابتعاد عن ذلك ما وقعت فيه أمتنا الإسلامية من معاناة ومشاكل كثيرة، وما وصلت إليه في واقعها وظروفها، وبالتالي خسارة البشرية من حولها؛ لأن الأمة الإسلامية لو بقيت مرتبطة بتلك المعالم في القرآن الكريم، وفي حركة رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- وبنت واقع حياتها، ومسارات حياتها على أساس تلك المبادئ؛ لصلح واقعها، ولكان لها دورها الريادي، الخيِّر والمؤثِّر والإيجابي في مسيرة البشرية جمعاء، فامتد أثر هذا الخير إلى أرجاء المعمورة، وإلى أوساط البشرية كافة، ولكن فرَّطت، وضاعت وأضاعت البشرية من حولها.

وكما قلنا: هذا الضياع الذي وصلت إليه الأمة، هذه الفجوة الهائلة والكبيرة بين الأمة وبين تلك المبادئ العظيمة، البارزة والحاضرة بشكل كبير جدًّا في القرآن، وفي أداء الرسول وحركته وتطبيقه، هذه الفجوة لم تأتِ من فراغ، كان هناك مَنْ عَمِل، مَنْ صَنَعَ هذه الفجوة، ومن أسس لابتعاد الأمة عن هذه المبادئ والمعالم العظيمة، وامتد هذا التفريط، وهذا التقصير، وهذا الابتعاد جيلًا بعد جيل؛ حتى وصلت الأمة إلى ما وصلت إليه.

سبق الحديث في الإشارة إلى بني أميَّة، والتأكيد على أنَّهم لعبوا دورًا رئيسيًا في هذا الانحراف، وسنتحدث اليوم عن هذا الدور، على أساس الوقائع التاريخية من جانب، وقبل الوقائع والحقائق التاريخية على ضوء ما قدَّمه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.

نظرت رسول الله للمستقبل بتنوير الله ورعايته

من الأشياء المهمة التي ينبغي الالتفاتة إليها: أنَّ رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- كان يفكر في مستقبل الأمة؛ فهو بالتالي هو نبي الأمة إلى يوم القيامة، هو رحمةٌ للعالمين، وعبر ما تبقى من أجيال، وعبر ما بقي من فترة البشرية، يعني: لم يكن نبي عصره فحسب، ولا رسول زمنه فقط، هو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- للبشرية، وإلى البشرية كافة، للناس كافة بشيرًا ونذيرًا منذ عصره وإلى قيام الساعة؛ وبالتالي نظرته إلى المستقبل هي نظرة مرتبطة- أيضًا– بطبيعة مسؤوليته ودوره، وبالتأكيد ذات صلة لما يأتيه من وحي الله ومن هدى الله -سبحانه وتعالى-, يعني: ليست نظرة شخصية، ولا ينطلق فيها من استشراف للمستقبل بدافع شخصي واهتمام شخصي، ومن واقع شخصي منفصل عن الوحي الإلهي. |لا|؛ لأن الله رب العالمين وأرحم الراحمين -جلَّ شأنه- هو لا يلحظ فقط- مثلًا- واقع البشـر في عصر النبي فحسب. |لا| إنَّ الله- الذي هو ربُّ العالمين- هو -جلَّ شأنه- سيشمل برعايته، ويشمل برحمته البشرية كلها إلى قيام الساعة، بحيث يتيح لهم فرصة الخلاص، ويتيح لهم ويهيئ لهم فرصة النجاة، بمعنى: أنَّ الله -سبحانه وتعالى- لا تأتي رحمته مرتبطة بزمن معين، ورسول الله رحمة الله للعالمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ[الأنبياء: الآية107]، هذه الرحمة للعالمين ليست مزمنةً لثلاثة وعشرين عامًا في عهد النبي محمد -صلوات الله عليه وعلى آله- ومن بعد ذلك تقفل هذه الرحمة، وتنتهي هذه الرحمة. |لا| رحمة تمتد إلى قيام الساعة، ما بقي للبشرية باقية، وما دام التكليف قائمًا في هذا الواقع في الحياة، ولكن هذه الرحمة لها امتداداتها، التي سنأتي إلى الحديث عنها، امتدادها كمشروع يمتد، تضمَّنه القرآن الكريم، وامتدادها من موقع القدوة والقيادة، بمثل ما سبق لنا في الحديث عن الإمام علي -عليه السلام- وعن الإمام الحسن، عن الإمام الحسين، عن أهل البيت -عليهم السلام- عن الصالحين والأخيار من أبناء الأمة.

فهذا الامتداد الذي هو امتداد لخط الهداية، للمشروع الإلهي، لبرنامج الإسلام المقدم للأمة، فيه ما يزوِّد هذه الأمة بالرؤية التي تبني عليها حياتها، وفيه ما يقدِّم لها التربية اللازمة التي تصلحها؛ لتكون بمستوى النهوض بمسؤوليتها، الإسلام مشروع عظيم، فيه تربية، وفيه تعليم، فيه حكمة، وفيه رشد، وفيه ما يساعد على الاستقامة على المستوى السلوكي والعملي، وفيه برنامج متكامل للحياة في كل اتجاهاتها، ليس فقط مجرد طقوس لا نعثر على هذا الإسلام إلَّا من خلالها، نعيش الإسلام في جوها فحسب في داخل المساجد، وانتهى كل شيء. |لا| برنامج متكامل، وهذا البرنامج يتجه إلى الإنسان فيصلحه، يزكيه.

جانب التزكية جانب أساسي جدًّا في القرآن الكريم، آيات كثيرة تتحدث عن هذا الموضوع، وقُدِّم كمهمة رئيسية في حركة رسول الله، وللقرآن نفسه: {وَيُزَكِّيهِمْ[البقرة: من الآية129]، بهذا التعبير القرآني وهو يعدد المهام الرئيسية لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- تجد كذلك في حركة الأنبياء السابقين، تجد في النصوص القرآنية المتعددة تركِّز على موضوع التزكية، ومسار حياة الإنسان في فلاحه يتوقف على هذا الجانب: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا *  وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[الشمس: 9-10]، النفس البشرية فلاحها متوقف على مسألة التزكية؛ لكي تبقى الأمة مرتبطة بهذا المشروع في كل جوانبه: فيما يقدِّمه كرؤية، فيما يقدِّمه كتشريعات، فيما يقدِّمه من: (بصائر، وتوعية، ونور، وهداية شاملة)، فيما يقدِّمه- أيضًا– من تربية لهذا الإنسان، وتزكية لهذا الإنسان، يجب أن تبقى الأمة مرتبطة بهذا المشروع من واقع حياتها، لا تنفصل بشؤون حياتها في اتجاه، وتترك هذا المشروع بكله هناك في اتجاهٍ آخر؛ وإلَّا ابتعدت عنه تلقائيًا، وخسرت الارتباط به، وما يترتب على هذا الارتباط من: آثار إيجابية، ومن نتائج عظيمة في واقع الحياة، ومن استقامة في واقع الحياة.

الخطر الذي شكله بني أمية على الأمة بعد وصولهم السلطة

الذي عمله بنو أميَّة منذ وصولهم إلى موقع السلطة والقرار، وهذا أخطر موقع يمكن أن يؤثِّر سلبًا على الأمة، عندما يصل إليه أمثال بني أمية، عندما يصل إليه جائرون، ظالمون، مفسدون، الموقع الأهم الذي ينبغي أن تدار شؤون الأمة من خلاله، بناءً على منهجها، على شرعها، على تلك المبادئ، على أساس تلك المبادئ والقيم والتشريعات والتوجيهات الإلهية. بنو أميَّة عندما وصلوا إلى هذا الموقع كان هذا يمثِّل خطورة كبيرة جدًّا على الأمة.

الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- وبالنظرة المستشرفة للمستقبل على أساسٍ من الوحي الإلهي، كان يستشعر هذه الخطورة على مستقبل أمته، ونبَّه عليها، وحذَّر من هذا، وهذا تمام الحجة، الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- يؤدِّي هذا الدور من موقعه كنذير؛ لأنَّه منذر ومبشر، وإنذاره ليس فقط إنذارًا من العذاب بالنار فحسب، هذا جانب رئيسي في إنذاره، ولكنه ينذر تجاه المخاطر الكبرى المحيطة بالبشرية بشكلٍ عام، وأيضًا المخاطر التي ستواجهها أمته.

ولهذا أبرز الأخطار التي يمكن أن تواجهها الأمة سبق له -صلى الله عليه وآله وسلم- أن حذَّر منها، أن أنذر منها، ضمن وظيفته كمنذر، ضمن مهامه الرسالية، والتي منها أنَّه النذير المبين، وخطر بمستوى خطر بني أميَّة، وتهديد للأمة بمستوى ذلك التهديد، لن يغيب عن اهتمام رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- وعن ما يزوِّده الله به، والله هو عالم الغيب والشهادة، والعليم بمستقبل الأمة؛ فلذلك علَّم نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- بأبرز الأخطار والمحطات الفاصلة والمصيرية التي يمكن أن تواجهها الأمة، وأتى منه بشأنها هداية، منها نصوص في القرآن الكريم، ومنها- كذلك– نصوص نقلتها الأمة، وتوارثتها الأمة، وبقيت في أوساط الأمة، حتى بالرغم من حساسيتها، يعني: بعض النصوص حسَّاسة للغاية، ومحاربة جدًّا، وبُذلت جهود كبيرة في سبيل التخلص منها؛ حتى لا تبقى متوارثها في أوساط الأمة، أو تنقل عبر أي جيل، ونُقِلت كثير من النصوص المهمة، يُنقل الإنذار مثلًا، ويُنقل- في مقابله- ما يمثِّل خلاصًا منه: (المشكلة، والحل)، الرسول نبه الأمة إلى المشاكل، عبَّر عنها، وضَّحها، كشفها، بيَّنها… التي يمكن أن تعترض هذه الأمة في مسيرتها في الإسلام، ومسيرتها في الحياة، وكذلك الحلول اللازمة، والوسائل التي قد تكفل لها الوقاية من كثير من هذه المشاكل.

فتنة بني أمية في النص القرآني

ورد في القرآن الكريم قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ[الإسراء: من الآية60]، هذه الآية تتحدث عن مسألتين:

المسألة الأولى: رؤيا أراه الله لنبيه في المنام، وهذه الرؤية تضمنت الكشف لفتنة خطيرة مقبلة على الناس، وتشير الآية القرآنية إليها: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ}.

المسألة الثانية: في الفقرة الثانية من الآية المباركة نفسها: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ}، يعني: في نفس السياق الشجرة هذه فتنة، (الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ)، كذلك (فِتْنَةً لِّلنَّاسِ)، فما هي هذه الرؤيا؟ وما هي هذه الشجرة؟ هل هي من النباتات البرية، وأصبحت شجرة خطيرة جدًّا على البشرية وعلى الناس؛ فأتى التحذير من القرآن حتى لا يأكل أحد من هذه الشجرة، أو من ثمارها، أو من غصونها؟

ورد في الأخبار والروايات أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى في منامه رؤيا ملفتة جدًّا: رأى بني أميَّة وهم ينزون على منبره نزو القردة، يصدون الناس عنه، وكان المشهد مشهدًا رهيبًا، فظيعًا لهم وهم يصعدون إلى منبره- منبره فيما يعبِّر عنه كمصدر هداية- ويتحركون بنفس الحركة التي تتحرك بها القردة، ويصدون الناس عنه، عن نهجه، عن مشروعه، كمصدر هداية، والشجرة هذه التي قال الله عنها: {الْمَلْعُونَةَ}، هل الله -سبحانه وتعالى- يلعن الأشجار مثلما يفعل البعض إذا استاء من شيء لعنه، لو كان حجرًا أو شجرًا أو أي شيءٍ آخر؟ |لا| الله هو الحكيم.

كذلك ورد في الأخبار والروايات أنَّ هذه الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو أميَّة، وهناك الحالة الاستثنائية في بني أمية لشخصية واحدة مختلفة بالنسبة لأمرائهم طبعًا، كان عمر بن عبد العزيز هو الشخصية الاستثنائية فيما بينهم في سلوكه ومواقفه، بقية أمراء بني أميَّة منذ أول أمير منهم إلى آخر أمير كان اتجاههم سلبيًا في هذه الحياة، فهذا أولًا على مستوى النص القرآني في الرؤيا التي رآها النبي، ويقال في الروايات والأخبار: أنَّ رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- لم يُرَ ضاحكًا بعد هذه الرؤيا، بات بقية أيام حياته حزينًا على مستقبل الأمة، وغير غريب عليه هذا، عندما نتأمل في النصوص القرآنية أنَّ الله يقول عنه في أسفه على قومه لماذا لا يؤمنون: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ[الكهف: من الآية6]، (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ): يعني تكاد أن تهلك نفسك من الغم أسفًا عليهم كيف لا يهتدون بهذا الهدى، الذي فيه فلاحهم وخيرهم في الدنيا والآخرة، غير غريب عليه أن يبقى حزينًا بعد ما رأى هذه الرؤيا التي عبَّرت وكشفت عن الواقع المحزن، وعن هذا الدور التخريبي الخطير لأولئك في مستقبل الأمة. فرسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- في الروايات لم يُرَ ضاحكًا بعد هذه الرؤيا، وبقي حزينًا إلى وفاته، لم يضحك بعد هذه الرؤيا فيما ورد.

النصوص النبوية تكشف مستقبل بني أمية

على مستوى النصوص عن رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- هناك جملة من النصوص المروية، ليست فقط- مثلًا- مروية عند الشيعة. |لا| هي مروية في تراث الأمة بمختلف مذاهبها وفرقها، في مصادر معتبرة لديها، مصادر لدى كل مذهب معتبرة، ومحترمة، ويعتمد عليها، جملة من النصوص التي كشفت عن هذ الدور التخريبي، نكتفي هنا بنص رئيس حتى نتحدث على ضوئه، وإلَّا هناك جملة من النصوص، سواءً عن أشخاص معينين من بني أميَّة، أو بشكلٍ عام، أحد النصوص تحدث عنهم، أنَّهم: (إذا بلغوا أربعين رجلًا اتَّخَذُوا دِينَ اللهِ دَغَلًا، وَعِبَادَهُ خَوَلًا، وَمَالَهُ دُوَلًا)، طبعًا اخترنا هذا النص؛ لأنه نص جامع، وعبَّر- بشكلٍ واضح- عن طبيعة هذا الدور التخريبي، ومسارات هذا الدور التخريبي، وطبعًا هم وصلوا إلى السلطة واستحكم دورهم عندما بلغوا إلى هذا العدد، ويعتبر هذا النص من معجزات الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله- التي تضمنت- فيما تضمنته- حديثًا عن المستقبل، واستشرافًا بالوحي الإلهي للمستقبل، وكان ذلك متطابقًا.

(اتَّخَذُوا دِينَ اللهِ دَغَلًا، وَعِبَادَهُ خَوَلًا، وَمَالَهُ دُوَلًا)، وهذا كان هو مسارهم، هذا هو ما فعلوه بالضبط في واقع هذه الأمة، اتجهوا إلى الأمة من واقع ما وصلوا إليه من سيطرة ونفوذ من موقعهم في السلطة، وكانت هذه سياستهم.

أول جناية جنوها على الأمة, وأكبر جناية وأخطر جناية كانت: هي في دينها، الدين هو الذي به صلاح الأمة، وإذا استقامت الأمة على دينها صلح لها كل شيء، وصلح في واقعها كل شيء، الدين هو الأساس، فإذا تغيَّرت مفاهيم محسوبة على هذا الدين، وحُرِّفت مفاهيم محسوبة على هذا الدين، وأصبح الناس يتدينون بتلك المفاهيم المحرفة، والمفاهيم الخاطئة، والمفاهيم التي تم انتاجها لتكون محسوبة على الدين وما هي من الدين، ويتدين الناس بها تدينًا؛ تصبح هذه مشكلة خطيرة جدًّا جدًّا على الأمة، وبدلًا من أن يكون الدين مصدر خيرٍ وصلاحٍ وفلاح وإصلاح لها، تتحول تلك المفاهيم- المحسوبة عليه- مصدر إفساد للأمة، وهذا هو الدَّغَل: يعني الإفساد، وهذا ما عمله بنو أميَّة: هم شاهدوا أنَّ الأمة مرتبطة بالدين، بنو أميَّة كان لهم تجربة في محاربة الإسلام والرسول لمدة عشرين سنة، منذ بعثة الرسول بالرسالة حاربوه في مكة بالإعلام، والدعاية، والتعذيب للمسلمين… ووسائل كثيرة، وحاربوه بعد الهجرة النبوية لثمان سنوات حربًا عسكرية، إضافة إلى بقية الوسائل.

فتجربتهم لحربهم مع الإسلام لعشرين عامًا: أنَّ هذا الإسلام تَقَوَّى وانتشر وتمسكت به الأمة، وأنَّهم عاجزون- نهائيًا- عن فصل الأمة الفصل الكلي عن هذا الإسلام؛ فاتجهوا- في النهاية- بعد فتح مكة، بعد أن أُرغِموا على الدخول في هذا الإسلام، نتيجةً للتحولات من حولهم، ونتيجةً لوصولهم إلى حالة الاستسلام والعجز التام عن محاربة هذا الدين، دخلوا فيه بغير رغبة، التاريخ ينقل لنا كلمة: [وفي النفس منها شيء]، عندما أُرغِم أبو سفيان على الشهادة بالشهادتين، فقيل له: [وأنَّ محمدًا رسول الله]، قال في الأخير: [وأنَّ محمدًا رسول الله وفي النفس منها شيء]، عبارات أخرى معروفة في تاريخهم، لرموز بارزة منهم، تُعبِّر عن الكفر الذي استسره البعض منهم، وبقي كامنًا في أنفسهم يعبِّرون عنه بين الحين والآخر.

الأمويون ومساراتهم في تحريف مفاهيم الدين

فاتخاذهم لدين الله دَغَلًا: هو أنَّهم يئسوا من فصل الناس عن هذا الدين بشكلٍ تام؛ فدخلوا بمدخل آخر، واشتغلوا بطريقة أخرى، مختلفة عن حربهم المباشرة ضد الإسلام وضد الرسول، إلى حرب بطريقة مختلفة، وباتجاهٍ آخر.

كيف يتم اتخاذ دين الله دَغَلًا؟ كيف يتم تحويل الانتماء إلى هذا الدين، والاستفادة من هذا الدين إلى حالة تساهم في إفساد الأمة والتأثير السلبي عليها، بدلًا من أن تكون حالة تُصلِح هذه الأمة؟ كما قلنا: المسألة تتجه إلى المفاهيم الدينية، إلى التشريعات الدينية.

نأتي إلى الدين: الدين جملة مفاهيم وتشريعات، مفاهيم وعقائد ومبادئ وتشريعات: هذا حلال، هذا حرام، هذه المسألة كذا، هذه العقيدة كذا، هذا المبدأ كذا… فمفردة مفاهيم تعبِّر- بالإجمال- عن هذه المبادئ، والتشريعات، والتوجيهات… ونحوها.

فعمدوا إلى التحريف بوسائل متعددة، واستغلوا البعض من علماء السوء ومن رواة الأكاذيب، الذين يختلقون ويفترون على الله وعلى رسوله الكذب، واعتمدوا عليهم.

مسار من مساراتهم: كان إنتاج مفاهيم باطلة من الأساس، وتُحسَب على الدين: مثلًا: يكلِّفون البعض لأن يصنع رواية وحديثًا مكذوبًا بالكامل، حديثًا لا أساس له من الصحة، يقول: [حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله أنه قال: كذا وكذا وكذا]، ويكون هذا بالافتراء التام، يعني: لا أساس لذلك، وطبعًا هذا كان يحصل حتى في عصر رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- ومن بعد عصره، مشهور في السير والتواريخ والحديث أنَّه: كثر الكذب على رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- في أيام حياته؛ حتى انزعج جدًّا، وخطب الناس على المنبر، وقال كلمته الشهيرة: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَليَتَبَوأ مَقعَدَهُ مِن النَّار)، بعد أن كثر الكذب عليه حتى انزعج، واستدعى الأمر إلى خطاب عام، يصعد إلى المنبر ويتحدث بهذا الكلام، واستمرت هذه الأكاذيب على رسول الله والافتراء عليه، والافتراء على رسول الله هو افتراء على الله، وهو كذب على الله -سبحانه وتعالى- أي تزوير في الدين هو يعتبر افتراء على الله؛ لأن الدين محسوب على مَنْ؟ على أنَّه دين الله، وبالتالي أي تزوير فيه يحسب من الافتراء على الله الكذب، هذا المسار اشتغلوا عليه، وهو مسار خطير جدًّا.

المسار الآخر: تحريف لمفاهيم نصوص صحيحة: النص صحيح، ولكن يقدِّمون للنص مفهومًا آخر، معنىً آخر، تفسيرًا آخر، فيما يتطابق مع هوى أنفسهم، وهذا اشتغلوا عليه بشكل نشط وواسع جدًّا، وشغَّلوا كثيرًا ممن هم باسم علماء من علماء السوء، ومن الرواة، ومن القصاصين، وممن نسميهم في زمننا هذا بالمثقفين، شخصيات وفئات شغَّلوها بشكل كبير، والمعلمين، و…الخ. شغَّلوا فئات واسعة؛ تلقت على هذا- آنذاك- معاشات ومرتبات، واشتغلت، ومكافئات أحيانًا، البعض كان يروي حديثًا مكذوبًا على رسول الله، ويصنعه بمبلغ كذا وكذا، وهناك قصص كثيرة في التاريخ، لا يتسع الوقت للتطرق إليها، وليس المقام للتطرق إلى تلك التفاصيل.

أبشع أنواع الظلم والتضليل

حينما نأتي إلى القرآن الكريم، نجد أنَّ هذه المسألة خطيرة للغاية، خطيرة جدًّا، وتعتبر من أبشع أنواع الظلم، ومن أخطر أنواع الظلم: الظلم الثقافي، وهو يؤسس للظلم بكل أشكاله: للظلم بشكله العسكري، بشكله الأمني، بشكله الاقتصادي… في كل أشكاله الأخرى، أكبر ظلم وأول ظلم عندما تظلم الأمة في المفاهيم المحسوبة على الدين، عندما تُضلل الأمة، التضليل أكبر حالة خطيرة تظلم بها الأمة؛ ولهذا نجد أنَّ الله يقول في كتابه الكريم: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً}، يعني: لا أظلم، هذه النوعية من الناس المفترين على الله الكذب هم في قائمة أظلم الناس للناس، هم في هذه القائمة، هناك فئات متعددة هي الأظلم، يأتي القرآن يعبِّر عنها: {وَمَنْ أَظْلَمُ}، بمثل ما نجده في هذه الآية المباركة، كل من قال عنهم القرآن الكريم: {وَمَنْ أَظْلَمُ}، هم في الصف الأول من الظالمين للبشرية، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ[هود: الآية18]، يتضح لنا من هذا النص القرآني مدى خطورة هذا النوع من الظلم الذي مصدره علماء السوء، ومصدره- من نسميهم في هذا العصر- بعض المثقفين، الرواة، القصاصين، المعلمين… الذين يشتغلون على تقديم الدين إلى الناس، الذين يشتغلون في الخطاب الديني، الذين يشتغلون في التعليم الديني، الذين يشتغلون في تأليف الكتب التي تحتوي معارف باسم أنها معارف من الدين، هذه الفئة من الناس منهم من يشتغل على هذا النحو: يظلم الناس، وأيَّما ظلم! الذي ينتج مفاهيم باطلة يمثِّل كتابه الذي كتبه أخطر من سجن يسجن الناس فيه بغير حق، وأخطر- أحيانًا- من معركة عسكرية مدمِّرة، المفاهيم خطيرة جدًّا، والظلم بها ظلم كبير جدًّا، يتضمن أولًا إساءة إلى الله -سبحانه وتعالى- الكذب على الله من حيث هو كذب على الله أمر بشع وفظيع، وجرأة كبيرة على الله -سبحانه وتعالى- من يكذب على الله، يقول: [في دين الله كذا وكذا، هذا من الله، من دينه] يعني: منه، وما هو من الله هو يعبِّر عن علمه، عن حكمته، عن رحمته، عن عزته… وما هو مكذوب يسيء إلى هذا كله: إما يسيء إلى عزة الله، أو يسيء إلى حكمة الله، أو يسيء إلى رحمة الله… أو يسيء إلى كل تلك التي تضمنتها أسماء الله الحسنى، يسيء إلى الله في كل شيء، في كل ما تفيده أسماؤه الحسنى، يسيء إلى: كمال الله، وجلاله، وعظمته، وألوهيته.

فأول مشكلة في الافتراء على الله: من حيث الجرأة على الكذب على الله ذنب فظيع وبشع، وقلة حياء من الله -سبحانه وتعالى- ومن حيث ما يتضمنه ذلك المفتري، ما قدم باسم الله ونُطِق به عن الله، زورًا على الله، وافتراءً على الله، مما فيه إساءة إلى الله -سبحانه وتعالى- ثم ما يترتب على الأخذ به في واقع البشرية من نتائج سيئة، فكرة معينة، قاعدة معينة، أو فتوى معينة؛ يترتب عليها مواقف باطلة، البعض من الفتاوى الباطلة يترتب عليها مظالم كبيرة جدًّا: تسفك بها الدماء، تنتهك بها الأعراض، تنهب بها الأموال، البعض من الفتاوى، أو من المواقف، أو من العقائد فيها- أيضًا– إساءة إلى الله من جوانب متعددة، وسنأتي- أيضًا– لمزيد من التوضيح حول هذا الموضوع.

يقول الله -جلَّ شأنه-: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[الأنعام: الآية144]، لاحظوا افتراء الكذب على الله ليكون وسيلة لإضلال الناس؛ لأن الكثير من الناس يتقبلون حينما تكون المسألة مسحوبة على الله، وعلى أنَّها من دينه، فيتقبلها هذا وذاك، والكثير من الناس البسطاء يتقبلون، يقول لك: [قال الله ، قال رسول الله كذا كذا، ويتحدث دين الله هو كذا وكذا]، ويعبِّر عن هذا بأكاذيب وتحريف: إما تحريف للمفهوم، وإما إنتاج لمفهوم باطل من أساسه، لم يرد لا في كتاب الله، ولا عن رسول الله، كلا المسألتين خطيرة جدًّا، كلٌ منهما يمثِّل خطورة كبيرة على الناس، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ[الزمر: من الآية32]، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ[العنكبوت: من الآية68]، المسألتان: مسألة الافتراء على الله كذبًا، أو التكذيب بالصدق، أو التكذيب بالحق، كلٌ منهما جريمة في مستوى واحد، وهذا يحصل للكثير من الناس: التكذيب بالحق، والتكذيب بالصدق، {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً[النساء: الآية50]، إثم واضح وفظيع، {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[النحل: 116-117].

ما الذي ساعد على نجاح المفترين؟

ولاحظوا، مثل هذه النصوص القرآنية يجب أن تصنع وعيًا كبيرًا وعاليًا في واقع الأمة تجاه خطورة هذه المسألة؛ لأنه– للأسف الشديد- مسائل في غاية الأهمية، وأحيانًا في منتهى الخطورة، ونظرة الناس إليها نظرة عادية، استبساط، هذا الاستبساط هو الذي يساعد على نجاح مثل هذه الأمور، نجاح كبير للمفترين الكذب على الله -سبحانه وتعالى- فيما يأتي القرآن ليصنِّفهم في أنَّهم في مصاف وفي مستوى الأظلم: أظلم الناس للناس، وأظلم البشر للبشر، هذه الفئة من الناس- كما قلنا- هم مجموعة من علماء السوء، ومن يحذو حذوهم، توابعهم ولواحقهم من: مثقفين، وخطباء، ومرشدين… ممن يتجهون اتجاههم؛ لأن هناك العلماء الربانيين، وهناك- أيضًا– شخصيات في هذا الاتجاه تسير في الاتجاه السليم والصحيح، وهناك |لا|، من يتجهون هذا الاتجاه الذي هو اتجاه ظالم للناس، ظالم، وظلم خطير جدًّا، عليه هذا الوعيد الإلهي.

ولاحظوا، اليوم من المعروف في واقع الأمة لدى نخبها: العلمائية، والثقافية، و…إلخ. من المعروف جدًّا أنَّ هناك نسبة كبيرة من المرويات المحسوبة على رسول الله، وهي مكذوبة، هذا أمر معترف به إجمالًا، إجمالًا معترف به بين الأمة بكلها، هناك جملة كبيرة من المرويات المزورة والمكذوبة على رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- هناك نسبة كبيرة مما قدِّم إلى الأمة باسم تفسير لنصوص قرآنية، أو تقديم لمفاهيم، أو عقائد، أو ثقافات، أو تشريعات، أو أحكام… إلخ. يصنَّف على أنَّه مفترى، على أنَّه باطل، على أنَّه غير صحيح، لا يعبِّر عن حقيقة الدين، وإنما قدِّم بطريقة خاطئة، ويمثِّل مشكلة كبيرة؛ لأن هناك من يأخذ به على أنَّه من الدين، وشملت هذه المسألة الخطيرة كل المواضيع المهمة والرئيسية، ومختلف المواضيع، بدءًا من التحريف للعقائد، وردت عقائد مختلة بشكل كبير جدًّا، فُسِّرت لها نصوص قرآنية في غير محلها، وهذا شكل من أشكال التحريف: التفسير للقرآن بطريقة مغلوطة، وتقديم النص القرآني على غير مصاديقه، وكذلك أفتري فيها نصوص أخرى، وكُذِبَ على رسول الله فيها، وتضمنت هذه المشكلة الكبيرة جدًّا الإساءة إلى الله -سبحانه وتعالى- ما يتعلق بمعرفة الله، وردت هناك عقائد فيها تشبيه لله بخلقه، فيها التجسيم، فيها كل أشكال الإساءة إلى الله -سبحانه وتعالى- يعني: الإساءة إلى قدسيته، إلى جلاله، إلى كماله… والمساس بالعقيدة الإسلامية الصحيحة في هذا الجانب، أضف إلى ذلك وردت عقيدة الجَبر، وردت- كذلك– تفسيرات خاطئة لمفهوم القضاء والقدر، تفسيرات تضمنت إساءة فظيعة إلى الله -سبحانه وتعالى-.

ثم نأتي إلى موضوع الأنبياء، إلى الكلام فيما يتعلق بالقرآن الكريم والكتب الإلهية، إلى الكلام عن مختلف المواضيع الرئيسية، كم وردت من روايات، ومن نصوص، من كتابات، من أقوال، من… إلخ. تسيء إساءة كبيرة: إساءة إلى الله، إساءة إلى أنبيائه، إساءة إلى كتابه، إساءة إلى دينه في كل تفاصيله، أمر فظيع جدًّا، وباتت الأمة متَّفقة على أنَّ هناك دسًا كبيرًا في تراثها، في المرويات، وفي كثيرٍ من الأفكار والعقائد، يسمونه (بالإسرائيليات)، وصلت المسألة إلى هذا المستوى، يعني: دس من بني إسرائيل إلى روايات، إلى تفسيرات، إلى أقوال، إلى عقائد، إلى أفكار؛ تصبح- في نهاية المطاف- ضمن التراث الذي تعتمد عليه الأمة في مختلف مذاهبها، أو بعض مدارسها.

فإذًا، المسألة هذه مسألة خطيرة جدًّا، واشتغل عليها بنو أمية بشكل كبير، وحرَّفوا كثيرًا من المفاهيم، وقدَّموا مفاهيم بديلة على أنَّها تعبِّر عن الإسلام، وأخذ بها كثيرٌ من أبناء الأمة، وتربت عليها أجيال؛ فكانت للمسألة آثار سلبية ومدمِّرة جدًّا، وقدِّمت- حتى- تشريعات معينة باسم أنَّها من شرع الله، وهي تسوِّغ لهم ما يفعلونه في الناس، وتسوِّغ للناس أن يذعنوا لهم، بالرغم من كل ما يفعلونه، وأن يطيعوهم فيما هم عليه من: إفساد، وظلم، وجور، وطغيان، وإجرام.

عاقبة كتمان الحق وأثره في ضياع الأمة

كذلك هناك جانب آخر- أيضًا– يمثِّل خطورة كبيرة جدًّا، ويصل في خطورته إلى مستوى مقارب لهذه المشكلة، وهو مشكلة الكتمان للحق  وللهدى: هناك من يأتي ليشتغل بافتراءات- بحسب ما وضحناه- في اتجاه اختلاق لما يقدم كمحسوب على الإسلام وتحريف للمفاهيم، وهناك- أيضًا في المقابل- من يسكت، من يصمت، من يكتم الهدى والحق، في المقام الذي تكون فيه الأمة أحوج ما تكون إلى التبيين، إلى التوضيح، وإلَّا إما ضلت، أو ظلمت، وظلمت بالضلال، أو ظلمت في الواقع العملي والحياتي.

الكتمان- أيضًا- يمثِّل مشكلة خطيرة جدًّا، وعانت الأمة بسببه معاناة كبيرة جدًّا، الله يقول في القرآن الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ∗ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 159-160]، كيف تحصل حالة الكتمان هذه؟ عندما يكون هناك ضغط كبير أو إغراء، يعني: في المرحلة التي تتجه فيها قوى الضلال- مثلما فعل بنو أميَّة- إلى تعميم ثقافة معينة، أطروحات معينة، يقدِّمون بدائل معينة باسم الدين، ينزلون للناس مناهج أو أفكارًا معينة؛ ويعتمدونها في واقع الأمة، يشتغلون- في الوقت نفسه – حتى لا يصل الحق إلى الناس، ولا يبقى منهجًا قائمًا تربَّى عليه أجيال الأمة، يشتغلون في اتجاهين للعمل على إسكات الآخرين عن أن يقولوا الحق:

حالة التخويف والتهديد والوعيد: وتؤثِّر هذه الحالة بشكل كبير على كثيرٍ من الناس، فعندما يرى أنَّ القول بالحق، وأنَّ التبيين للموقف الحق، أو العقيدة الحقة، أو المبدأ الحق، أو المفهوم الحق الذي يعبِّر عن حقيقة الدين، ويتطابق- تمامًا- مع ما يقدِّمه القرآن والرسول -صلوات الله عليه وعلى آله-؛ يرى أنَّه من المحتمل أن يدفع ثمن ذلك، يتعرض للخطر، يتعرض للسجن، أو يتعرض للشهادة، أو للمضايقة، أو اللوم والتوبيخ، أو يفقد مكانته المعتبرة في الساحة، وتوجه إليه: الإهانات، والاتهامات، و…إلخ. فالبعض من الناس يسكت، يتفادى ما يمكن أن يحصل له من مشكلة، في مقابل أنه صدع بالحق، وقال بالحق، ونطق بالحق، وقدم ما يعبر عن حقيقة الإسلام؛ يتفادى ما يمكن أن يحصل له من مشاكل، أو خطورة تهدده في حياته، أو تهدده في وضعه الاقتصادي، أو تهدده في مكانته الاجتماعية… أو نحو من ذلك.

البعض- أيضًا- بالإغراء: تقدَّم إليه الإغراءات المادية؛ حتى يصمت عن قول الحق في مسائل معينة، ويحصل كلا الأمرين، ولهذا قال الله -سبحانه وتعالى- في آيةٍ أخرى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ}[البقرة: من الآية174]، هذه الفئة أثَّر عليها الإغراء المادي، أُعطي مرتَّبًا معينًا، أموالًا معينة؛ وبالتالي يصمت عن قول الحق، وعن تقديم الهدى الذي في كتاب الله كما هو، وتقديم الدين من كتاب الله كما هو، يأتي ليسكت عن أشياء مهمة، أشياء حسَّاسة، أشياء تزعج قوى الضلال والباطل؛ فيصمت عنها، ويسكت عنها، مثلما سكت الكثير ممن قد عرفوا وعلموا من كتاب الله ما قامت الحجة به عليهم أولًا قبل غيرهم، وسكتوا، سكتوا عن الجهاد، وفي القرآن الكريم مئات الآيات تتحدث عن الجهاد، البعض لا يتكلم بآية حول هذا الموضوع، عن المسؤولية في جوانبها الأخرى، عن الموقف من أعداء الله، عن مسائل مهمة جدًّا، يصمت البعض عنها، ويسكت، ويكتم، هذا الكتمان يساعد على تغييب الحق من الساحة، يظل الناس لا يسمعون كلامًا عن هذه المسألة: عشر سنين، عشرين سنة، خمسين سنة وهم لا يسمعون كلامًا عن هذا الموضوع، حتى يغيب من ذهنية الناس، وكأنه ليس من الدين، ومعروفة هذه الحالة في كثير من الأوضاع والظروف حصلت.

هذه الفئة من الناس (الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ)، لأن المسؤولية في تقديم ما أنزل الله كما هو، القرآن تحدَّث عن جانب المسؤولية، قدِّمه مثلما تقدِّم بقية المسائل، أنت شخصية علمائية، أو مثقفة… أو نحو ذلك، قدِّم ما أنزل الله كما هو، وبمستواه من الأهمية، لا تهمش مسألة رئيسية وتقدمها وكأنها مسألة هامشية، وهي أساسية، والقرآن أعطاها ما أعطاها من الأهمية، تحدث بشكل صحيح، هذه الفئة موعودة بهذا العذاب الإلهي: {أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى[البقرة: 174-175]، لمَّا أخذوا المال، وأخذوا مصالح معينة مقابل أن يسكتوا عن قول الحق؛ كان حالهم على هذا النحو: {اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى}، {وَالْعَذَابَ}، اشتروا لأنفسهم عذابًا، {بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ[البقرة: 175-176].

بين الصمت وبين تقديم البدائل.. غابت المعالم الأساسية

بين أن يكون هناك كتمان، وصمت، وسكوت عن أمور مهمة من دين الله، عن حقائق مهمة من دين الله، عن مواقف عملية مهمة من دين الله، نزلت بها آيات الله، ونطقت بها كلمات الله، وتضمنتها مساحة واسعة من كتاب الله، وكانت بارزة ورئيسية وأساسية فيما فعله وقاله رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- ثم يسكت عنها، وتهمَّش، ولا يسمعها الناس في كثيرٍ من المناطق، لا يعتادون أن يسمعوا شيئًا عنها، وبين أن يكون هناك نشاط لتقديم بدائل: بدائل ضالة مضلة باطلة تحسب على الدين، هذه كارثة، المحصلة واحدة: كتمان من جانب، وتقديم بدائل من جانب آخر؛ تنجح تلك البدائل في أن تنتشر هي ضمن مناهج دراسية، ضمن نشاط تثقيفي وتعليمي، من خلال المنابر، واليوم- أيضًا– من خلال وسائل الإعلام، وسائل هذا العصر في نشر الضلال بأكثر من وسائل الماضي، تكون المحصلة واحدة: وهي الضلال الذي ينتشر في الأمة، والتدين بالباطل، التدين باعتقاد عقائد على أنها من عقائد الدين، وهي باطلة، والتدين- أيضًا– بإحلال ما حرَّم الله، وتحريم ما أحلَّ الله، والتدين بمواقف أيضًا: ولاء، وبغض، وعداوة، ومحبة، كلٌ منها باسم الدين، ولكن بطريقة مغلوطة، وغير مطابقة للحقيقة، ومخالفة لما في دين الله، مما هو حقٌ يعبِّر عن دين الله بصدق؛ فتحصل انحرافات كبيرة باسم الدين، فالدين الذي هو أساسٌ لصلاح الأمة بالمفاهيم الخاطئة، بالتضليل ببدائل، والكتمان لحقائق؛ يتحوَّل الانتماء الديني بنفسه إلى مشكلة، ويتحوَّل في واقع الأمة إلى مصدر لإفساد الأمة وتضليلها، وهكذا تمكَّن بنو أميَّة من تفريغ الإسلام من مضمونه، وقدَّموا بدائل كثيرة جدًّا تدجِّن لهم الأمة، وتفسد لهم الأمة، واتجهوا- بناءً على ذلك- إلى تربية مختلفة عن تربية الإسلام في أثرها، وفي نتيجتها، في واقع الحياة.

ولهذا لاحظوا، فعلًا غاب من واقع الناس هذه النظرة القرآنية إلى المضلين: إلى الكاتمين، وإلى المفترين، الكاتمين لما أنزل الله من حقائق وحق، والمفترين بتقديم بدائل محسوبة على الله وعلى دينه، وأنَّهم الأظلم والأسواء، وأنَّهم في سوؤهم وخطورتهم لهذه الدرجة التي لعنهم الله فيها: {أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}، هذا يدل على سخط كبير، {أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ}، الجرائم الثقافية، الجرائم بالتضليل الذي يقدَّم عبر النشاط التعليمي والتثقيفي، ينظر الناس إليها باستبساط، وكأنها أشياء عادية، وهي خطيرة جدًّا، خطيرة للغاية للغاية، والكتاب الذي يتضمن باطلًا محسوبًا على الدين يمثِّل خطورة جدًّا، وكاتبه يعتبر عند الله من أظلم الناس وأسوء الناس، الله قد لعنه، توعده بالعذاب وبالنار، وهكذا يجب أن تنظر الأمة؛ حتى تكون حذرة ويقظة من ذلك النشاط التضليلي الخطير جدًّا.

فهم (اتَّخَذُوا دِينَ اللهِ دَغَلًا)، ويمكننا أن نعتبر أنَّ كثيرًا من: العقائد، والمبادئ، والمفاهيم، والتشريعات، حُرِّفت منذ الزمن الأموي، طبعًا لم يقتصر الأمر على الزمن الأموي، امتدت المسألة وتوسعت، ومع الزمن كثرت وكبرت، ولكن بدايتها الكبرى، ونشاطها الرئيسي جدًّا، والانحراف بالأمة عن المسار بشكل كبير جدًّا، كان من بعد استشهاد الإمام علي -عليه السلام- وتمكَّن بنو أميَّة من السلطة، وبدأوا بالعمل النشط في ذلك، وحققوا نجاحًا كبيرًا في ذلك، امتدت آثاره إلى اليوم.

بنو أمية.. الاستعباد والاستئثار

(وَعٍبَادَهُ خَوَلًا): حوَّلوا عباد الله إلى خَوَل، إلى خدم وعبيد مسخَّرين لخدمتهم ومستغلِّين، سيطروا على الناس، البعض منهم شكلوهم جيوشًا جرارة؛ لتكون ذراع بطش وجبروت يضربون بها من يريدون في أوساط الأمة، ويقمعون بها كل صوتٍ للحرية، وكل نشاط أو عمل يهدف لإعادة الناس إلى الاتجاه الصحيح، ويجعلون منهم: علماء سوء، أبواق باطل، المحدثين، الكاذبين والمفترين، القُصَّاص… إلخ. وكذلك منهم من يشتغل في الدعاية الاجتماعية، بكل الوسائل يجعلون الناس (خَوَلًا).

(وَمَالَهُ دُوَلًا): فاتجهوا إلى السيطرة على الأمة في مواردها البشرية والمالية، السيطرة على المال، استأثروا بالمال العام، وسيطروا عليه، الذي هو مالٌ للأمة، ثم جعلوا منه هو وسيلة لأن يكونوا مترفين، أن يحصلوا على ثروات هائلة يتمتعون بها وينعمون بها، ووسيلة لشراء الذمم؛ ليشتروا به وجيهًا هناك، وشخصية بارزة هناك، وعالم سوء هناك، وآخرين هناك؛ ليكونوا مقاتلين، وسيلة لشراء الذمم. وهكذا أسسوا لهذا المسلك في تحريف المفاهيم الدينية، والاستغلال لها؛ للسيطرة على الناس، والخداع للناس، والاستغلال للناس؛ لفعل ما يشاءون ويريدون، وباسم الدين أحيانًا، والاستغلال لعباد الله، والاستغلال للمال العام للتنعم به والترف به، وفي نفس الوقت لشراء الذمم والاستعباد للناس من خلاله، فكانت هذه جناية كبيرة جدًّا على الأمة، وانحرافًا كبيرًا بالأمة عمَّا كان عليه مسار الإسلام في عهد رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- وفيما كان عليه رسول الله في حركته بالرسالة، وقيادته للأمة، وانحرافًا شمل كل واقع الأمة: الواقع السياسي، الواقع الاقتصادي، الواقع الأمني… امتد إلى كل شؤون الناس وحياتهم، وحَفَلت كتب التاريخ بالكثير من الحكايات والوقائع والأحداث التي عبَّرت عن هذا الانحراف.

نكتفي بهذا القدر في حديثنا اليوم…

ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه عنا.

وَالسَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛؛؛